8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

زحمة...

لفتني خبر صغير بالأمس يا إخوان يقول إن زحمة السير الخانقة المرادفة للاجتماع اللبناني الحديث ضربت ضربتين مؤلمتين متزامنتين. الأولى في منطقة الأوزاعي خلدة والثانية في منطقة جسر الواطي الأشرفية العدلية.. إلخ.
ولم يُشر الخبر الى مناطق أخرى مثل جونية والمعاملتين حيث الزحمة أبدية، باعتبار أن ذلك لم يعد خبراً يستحق الذكر، بل الخبر يصير واجباً إذا حصل العكس، أي إذا كانت الطريق مفتوحة وسارحة والرب راعيها!
والحاصل أيها الأحبة والأعزاء، أننا صرنا بمعنى ما أسرى معادلة قائمة في بعض دول العالم، خصوصاً في دول جنوب شرق آسيا حيث المساحة الجغرافية ضيّقة وعدد الناس والسيارات كبير. كما هي قائمة بفجاجة واستحالة في مدينة القاهرة تحديداً حيث أن بينها وبين الزحمة عِشرة عمر لا تنفصم عروتها حتى لو شاب الدهر وخَتير الزمان...
غير أننا في لبنان عدا عن كوننا أسرى للجيوغرافيا (مثلنا مثل القاهرة) نعاني معضلة فريدة وغريبة (وحزينة) من نوعها. وهي أن زحمة السير عندنا دائمة ومتواصلة على مدى ساعات النهار في حين أنها في معظم دول العالم مرتبطة بساعات بدء العمل وانتهائه. أي أنها تضرب مَثَلاً في لندن بين السادسة والتاسعة صباحاً وتغيب مع حضور دوام العمل في المؤسسات العامة والخاصة لتعود وتضرب بين السادسة والثامنة مساء مع انتهاء ذلك العمل.. عندنا الأمر مختلف، ولطالما سألت نفسي في ساعات قبل الظهر بقليل عن طبيعة أشغال الملطوعين مثلي في عجقة السير.. لماذا ليسوا في مكاتبهم أو مدارسهم أو مصانعهم أو بنوكهم أو مؤسساتهم الرسمية والخاصة، وإذا كان دوام عملي يفرض عليّ أن أصل ظهراً وأغادر ليلاً فماذا عنهم، وهل جميعهم أبناء اقتصاد مواز غير الذي نعرفه وليسوا في حاجة بالتالي للنزول في ساعات محددة الى أعمالهم والخروج منها في ساعات محددة؟
.. ثم من أين أتت كل هذه السيارات والآليات والشاحنات، بل من أين جاء كل هؤلاء الناس؟ وكيف لبلد مثل لبنان ضيّق وصغير ومزموم، وتضاريسه توحي بانغلاق لا بانفتاح، كيف له أن يحتمل كل ذلك الضغط اليومي من دون أي تهاون أو تراخ؟
تكاد المعضلة أن تصير مستحيلة وعصية على أي حل تماماً بتاتاً مباشرة. وعبثاً توضع الخطط من قبل المعنيين في الحكومة وقوى الأمن، وعبثاً تذهب كل المحاولات الفردية للهرب من ذلك الواقع... علماً (بالمناسبة) أن تجربة يتذكرها كثيرون، أُعتمدت في مطلع سبعينات القرن الماضي عندما كانت بيروت عاصمة المنطقة بلا منازع. تمثّلت باعتماد نظام الترقيم. أي السيارات التي تحمل لوحات تبدأ بأرقام مفردة تسير اليوم وتلك التي تحمل لوحات تبدأ بأرقام مزدوجة تسير غداً... حلّت التجربة جزءاً من المشكلة قبل أن يقع البلد بمن فيه في أسر الحرب وتتحوّل شوارع المدينة الى خنادق متقابلة لا سيارات عليها ولا من يسيرون.
واقع الحال صار أمرّ من تغافله. والأمراض الناتجة عنه (النفسية والمالية والبيئية) صارت أكثر خطورة وجدية من كثير من الشؤون المصيرية التي يقاربها المعنيون سعياً لاستيعابها.. إنها مشكلة السير على الطريق نحو الهاوية علماً أن كثيرين يفترضون أننا فيها أصلاً وإن ظن البعض عكس ذلك.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00