مشكلة الفرادة في غرابتها ووحدانيتها يا إخوان. وهي وإن كانت مكرمة يوصم بها أشخاص محددون في العلوم والفنون والثقافة والاختراع والطب وشؤون الدين والاقتصاد والمال والعسكر والأعمال الحربية في الإجمال، فإنها في حالات كثيرة تحمّل صاحبها فوق طاقته وتحيل محيطه الى الإقامة في الالتباس بين التقدير من جهة والنكران من جهة ثانية.
وكثيرة هي الحالات الفردية والفريدة التي أودت بصاحبها الى أبعد من ذلك الالتباس، ودفعت به الى موقع جدلي ما أراده سلبياً في الأصل والأساس.. وعلى قدر أحوالنا ننتج القياس ونحاجج. وبهذا المعنى أمكن في اليومين الماضيين، ومن خلال الدفق الوصفي والشرحي الذي نشر عن العلاّمة الراحل محمد حسين فضل الله، تلمّس فرادة استثنائية في شخصيته... علماً أن كثيرين كتبوا عنه وعن تراثه وثرائه الفكري والفقهي والأدبي والأخلاقي والسياسي، بعضهم عن معرفة ودراية وتماس مباشر مع إنتاجه، وبعضهم تلبية لنزعة انتهازية إعلامية وسياسية فدار وحار وأنتج شططا!
لكن في الإجمال، أمكن (من جديد) تلمّس تلك الفرادة التي طبعت أداء وآراء السيد الراحل، وهي فرادة ملازمة لشجاعة فكرية أكيدة. أكان بالمعنى الخاص باختلاف وجهة نظره في شأن ولاية الفقيه عن وجهة نظر أرباب الشيعية السياسية الحديثة في إيران، رغم بحر ثورتها ومقدرتها المالية والتنظيمية، أو إن كان يتعلق بالشأن السياسي المباشر الخاص بكيفية تعامل الشيعة العرب مع دولهم والأنظمة التي يعيشون في ظلها. وفي ذلك كانت مواقفه مطابقة في الإجمال لمواقف الإمام الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي حضّ وكتب وخطب وجادل وحاجج بضرورة وأد أي مشاعر خاصة بالتمايز عن المحيط. بل وجد الإثنان (على ما أفترض بتواضع قلّة المطلعين في هذا الشأن) أن الوحدة الإسلامية أهم بما لا يُقاس من أي كسب سياسي موهوم، وأن وحدة المجتمعات العربية في إطار كياناتها الدولتية والمؤسساتية أهم بما لا يُقاس من انتهاز أي فرصة (أو وهم) للمطالبة بحقوق مهضومة.. عدا عن كون تلك الوحدة المزدوجة (الإسلامية والوطنية) أبلغ رد على تجّار الحروب الأهلية ومشاريع الإمبراطوريات والتفتيت التي لا يستفيد منها إلا أعداء العرب والمسلمين وفي مقدمهم إسرائيل حُكماً!
كان الإثنان بهذا المعنى صنوان لشجاعة المجتهد الدائم غير المأسور باللحظة السياسية والتباساتها وهيجانها وأوهامها.. غير أن العلامة فضل الله من جهته تخطى ذلك المعطى الخاص بالافتراق الفقهي والسياسي عن النظرية الإيرانية في الشأنين، ووصل الى تخطي الكثير من المحرمات المألوفة في مقاربة مواضيع الافتراق والاختلاف بين السنّة والشيعة حاملاً في المقابل همّ التجميع والتقريب فنجح في بعض ذلك وغلبته التراكمات في البعض الآخر.
.. وهناك تفصيل على قياسنا، كان يَعُنّ على بالي دائماً في المرحلة الماضية، وآن له أن يُسطّر بسرعة، وهو ذلك المتعلق بالكباش السياسي العنيف الذي استعر في السنوات الخمس الماضية وأخذ في دربه كل الناس تقريباً باتجاه الاصطفاف الأحادي حيث سُجّلت محطات اصطبغت بالفظاظة والجلافة والوضوح الأرعن. وبدا معها وكأن لا عودة الى الخلف بتاتاً، بل إن السير حثيث باتجاه واحد الى الفتنة ومقصلتها!
الا الراحل العلاّمة فضل الله، فهو من بين الجميع تقريباً، بقي محافظاً على خطاب هادئ رزين وقور متواضع، وغير قطعي... ولا أحد في هذا المقام يمكن أن يتذكر كلمة واحدة خارج ذلك السياق قالها على مدى السنوات الخمس الماضية. وهذا لعمري إنجاز كبير وخطير يسجّل في خانته وتراثه وبُعد نظره.. خصوصاً إذا كان المعيار هو ذلك الخطاب الآخر الذي أقام في التخوين والصدّ وما اكتفى.. والسلام.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.