قرأت لعزيزي حازم صاغية توصيفاً خلاّباً لحالات ثقافية سياسية نعيشها في لبنان واصفاً أصحابها بـالغاضبين الذين يتبرمون من بضعة كتّاب وصحافيين لأنهم يمنعونهم من إكمال تحرير الأرض العربية السليبة وإكمال تشييد بنيان الأمة الواحدة الموصوفة بأحلى الكلام وأتعس الوقائع!
وواقع الحال أننا إزاء معضلة قائمة منذ زمن الحرب الباردة وثقافتها الآتية من انقسام بين معسكرين ونهجين بُنيت فوق كل واحدة منهما أسس الحياة في كل تفاصيلها السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية والفنية وما الى ذلك من دواعٍ ضرورية لإعلاء شأن الخيار الإيديولوجي لكل طرف.
تلك المنازلة التي استمرت منذ ما بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وتصاعدت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، انتهت (أعزائي المشاهدين) بانهيار المعسكر الاشتراكي من داخله. ولم يأخذ موضوع تشليع دولة عظمى كالاتحاد السوفياتي وكل ذلك المعسكر، على يد العزيز ميخائيل غورباتشوف سوى بعض الوقت وبضعة شعارات أهمها البيروسترويكا (إعادة البناء) وغلاسنوست (شفافية أو انفتاح).. ليتكشف المشهد عن بؤس مزدوج لا نظير له للفكرة والتطبيق على حد سواء.. حتى كارل ماركس على ما رسمت دِرْ شبيغل طلب اللجوء الفكري في ألمانيا الغربية عشية انهيار نظيرتها الشرقية في ذلك التشرين الأول من العام 1989.
تهافت تلك الإمبراطورية العصي على الوصف والاحتواء، والذي خلخل دولاً وكيانات وأعاد بعضها (أو جُلّها) الى طبيعته الأولى الدينية والاثنية بعيداً عن الدمج القسري.. سجّل فصلاً جديداً في الدنيا لا تسجّله عادة سوى الحروب الكبرى وما تنتجه من إعادة تشكيل للأوطان والناس في داخلها.. ومن ذلك إعادة تشكيل الرأي والفكر باتجاه المدرسة الواقعية في غالب الأحيان، حيث الهزيمة قاتلة للحلم والوهم من جهة وحقلاً فواراً يدرّ فضائل المنطق والتواضع من جهة ثانية.
إنكسر كارل ماركس في مواجهة آدم سميث وسلّم سلاحه وانزوى في العتم، وتهافت البنيان الذي قام على أكتاف نظريته وما دخل عليها من إضافات لتلامذة نجباء له، مع كل أدواته وثقافته.. وأفترض بعد ذلك بقليل أن المجتمعات التي كانت مأسورة بذلك النهج التوجيهي والاستبدادي تمكنت في زمن قصير من تجاوز محنتها ومعضلتها: بعضها راح باتجاه نظام السوق وآلياته ومستلزماته بهدوء ورفعة وسلاسة وبعضها راح باتجاه ذلك النظام ولكن بكثير من الدم، غير أنها كلها في الإجمال راحت الى مكان واحد وإن سلكت دروباً مختلفة: دفنت الماركسية اللينينية مرة واحدة وإلى الأبد.
إلا عندنا يا صاحبي، بقيت موروثات ذلك النظام وأبشع ما في أدبياته وثقافته ومثله وآلياته (السياسية والأمنية حصراً) موضع احترام وتقدير وتقليد من قبل البعض، مثل الذين وصفتهم بـالغاضبين.. وفي هؤلاء دلالات الى الكثير من القصور الفكري والعطب الثقافي معطوفين على طغيان العادة على الفطرة! (إذا افترضنا حُكماً لا جدلاً أن تلك الفطرة مسكونة بالخيال والخير والفضائل والنبل).
ظواهر صوتية لا تزال تصدح في يومنا بأنغام أيام مضت.. ورغم حلاوة التراث في بعض حالاته المشرقية، فإنه هنا تحديداً، وإزاء هؤلاء الغاضبين يصيرا طريقاً سريعاً الى الخبل ومدارسه الكثيرة المنتشرة تحت أسماء عدة بعضها يدّعي وصلاً بالفكر فيما هو موصول بالضحالة والاستبداد والعسف والتزوير والشتم.. ولا شيء آخر. والسلام!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.