8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

غزّة..

لا مجال للخطأ يا إخوان، ولا مجال لخطوة ناقصة قد تؤدي الى ذلك الخطأ وتدحرجه باتجاه حقل من الخطايا القاتلة!
تحوّل التضامن مع غزة بالنسبة الى البعض الى كنز فيه الكثير من النفائس، وصار عند البعض الآخر جرساً يرنّ في آذان بقيت صمّاء منذ مذبحة الرصاص المصبوب أواخر 2008 وأوائل 2009، وصار بالتالي شد الرحال ورفع الأشرعة والإبحار الى ذلك اليمّ بديلاً من الإبحار في ذل الصمت والعجز وتعمية العيون عن تلك المأساة المزدوجة لأهل القطاع: الحصار من جانب إسرائيل، والانقلاب وفروضه من جانب حماس.
فتح الأتراك ذلك الممر المائي المضطرب، وفي البال هَمٌّ إنساني كبير يتعلق بشعب فلسطين في الإجمال وأهل القطاع خصوصاً.. كما في البال تصفية حساب سياسي مع المجانين في تل أبيب لمعاقبتهم على كل أدائهم في السنوات الماضية، وهو الأداء الذي تعتبره حكومة رجب طيب أردوغان مُدمّراً لكل منطق أخذ به العرب والعالم، ولكل باب فُتح باتجاه تسوية تعيد جزءاً من الحقوق المسلوبة، وتقدم في المقابل اعترافاً وعلاقات وما الى ذلك من شروط ومستلزمات ودواع لإنهاء النزاع المفتوح منذ ستين عاماً.
دخل الأتراك في المعمعة فهاج أهل الممانعة عندنا، ودارت حفلات الندب والدقّ على الصدور... لكن فقط ذلك. إذ إن النتيجة العملية الوحيدة المعقولة الرابضة أمامنا الآن هي أن موضوع رفع الحصار صار راهناً محور محادثات جورج ميتشل، وأن حكومة نتنياهو بدأت بالفعل تراكم الخسائر السياسية أمام واشنطن وأنقرة، والخسائر الإنسانية أمام العالم بأسره.
قبل مذبحة أسطول الحرية كانت تلك الحكومة مُطالبة يومياً بشرب الماء المالح أمام إدارة باراك أوباما والأوروبيين في الإجمال، وكان البحث يدور حول سبل إعادة التفاوض مع السلطة الفلسطينية المحاصرة والمنهكة بدورها، ولولا حسابات ميدانية بحتة، وأخرى تتصل ببناء منصات محاصرة المشروع النووي الإيراني في مكان آخر، لكانت حكومة نتنياهو هربت من ذلك النكد من خلال فتح النار علينا في لبنان مباشرة.
لم تسنح لها الفرصة، ولم يفعل ضجيجها حيال قصة الصواريخ شيئاً كثيراً في تهيئة المناخ لتلك الفرصة، غير أننا راهناً قد نقلب عاليها سافلها بغطسة ناقصة في بحر لا قعر له؟
أفترض حُكماً (والله عليم بذات الصدور) أن قيادة حزب الله أقفلت باب الخطأ ورمَت المفتاح في البحر عندما قررت أن لا علاقة لها بالسفن المبحرة الى غزة، غير أن ذلك لا يبدو كافياً. وسأتّكل على الله وأفترض أيضاً وأيضاً أن قصة الإبحار من لبنان الى القطاع لا معنى لها على الإطلاق إنسانياً وإعلامياً عدا كونها خطأ سياسيا كبيرا. فنحن لسنا تركيا ولسنا إيرلندا ولسنا أوروبا، والتهديدات الإسرائيلية تبدو كمرافعة مسبقة ناجحة أمام العالم حيال ما قد يحصل... والأخطر الراهن الواضح للكثيرين هو أن من تفهّم في العالم الضيم التركي من جراء مذبحة سفينة مرمرة، لن يتفهم أي ضيم يصيبنا من خلال التعرّض لسفينة مريم أو جوليا أو غيرهما، فلا أحد راهنا (على الأقل) يريد أي مشكلة قد تتحول الى حرب؟!
المركب صغير، والبحر هائج والرحلة طويلة، لكن العقل وحده يُخرج غزة وأهلها من عاصفة الحصار وليس الصراخ والانفعال والافتعال. ففي القطاع من كل ذلك ما يكفي نصف الكرة الأرضية.. والسلام.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00