بدا مخيفاً الانقسام الذي تمظهر في الجلسة التشريعية الأخيرة لمجلس النواب في شأن الحقوق المدنية للفلسطينيين يا اخوان، لكن دواعي الخفر ومكرمات العقل تدعو الى التمهل وإعادة النظر في ذلك الحكم وفي الأحكام التي قيلت، والاستنتاجات التي خرج بها البعض.
ومرة جديدة تختلط الأمور، وندخل في التجربة ويتم الخلط الخطير بين التشريع الضروري والواجب، والسياسة وأبعادها ودهاليزها. والمقاربة في كل حال، حساسة دائماً وخطيرة، وتبعث في محلات كثيرة على الأسى والأسف.
بدا في الشكل وكأننا عدنا أربعين سنة الى الخلف لكننا في المضمون لم نكن كذلك. وهناك فارق كبير وحقيقي ومركزي بين التاريخين.
لم يرفض المسيحيون اللبنانيون في 8 و14 آذار ما طرحه مسلمون في الفريقين. ولم تخرج مواقف كتلك التي رأينا ترجمتها في مطلع السبعينات على حيطان المدينة قبل أن تتمزق المدينة وكل حيطانها دفعة واحدة. ولم نسمع على الجانب الآخر هيجاناً إصلاحياً كالذي شهدناه آنذاك وأدى الى تدمير كل ما كان مطلوباً إصلاحه بأبخس الأثمان، والأهم من ذلك، لم تنتعش الذاكرة على خبريات التمايز والفرادة والوطنية والانعزال وما شابه من مفردات إتهامية تأخذ أقواماً بأمها وأبيها دفعة واحدة الى المقصلة الأخلاقية والسياسية تمهيداً لإعلاء شأن القتل ووضع الحراب والخناجر والسكاكين والقنّاصين في مقدم جدول الأعمال، والكل في ذلك سواء، أيها الأحبة والرفاق الأعزاء!!!
لم نشهد شيئاً من كل ذلك. ولم تعد الساعة الى الوراء. ولا توجد هكذا ساعة أصلاً لا في السياسة ولا في سويسرا... بل الحاصل الفاصل هو البناء على ما قيل من قبل الرافضين للاقتراحات الخاصة بالحقوق المدنية للفلسطينيين المقيمين في لبنان. وهو كلام مفصلي وبتّار يقطع بين مرحلتين ومنطقين.
من قيادة القوات اللبنانية الى غيرها من تلاوين الطيف المسيحي، تقاطع الكلام عند نقطة رئيسية هي ان الحقوق المدنية للاجئين واجبة وضرورية، وصار من المعيب والمخجل في حق الجميع أن تبقى أحوال هؤلاء على ما هي عليه الآن. علماً بالمناسبة، ان أحوال لبنانيين كثر لا تختلف عن أحوالهم إلا بميزة الجنسية، وهذه حتى إشعار آخر قد يأتينا من ناسا لا تعجن طحيناً، ولا تطعم خبزاً وشاورما، ولا تُلبس طفلاً، ولا تبني سقفاً، ولا ترسل الأولاد الى المدارس، ولا تدلق الماء من الحنفيات.
ومفتر من يرفض قراءة ما حصل بعد جلسة التشريع، وباحثٌ عن مشكلة لا داعي لها طالما ان الجميع أقر ويقر بضرورة الإصلاحات الإنسانية المطلوبة، وطالما ان القوانين المطروحة أحيلت على لجنة الإدارة والعدل لدرسها في مهلة شهر واحد.. وصعب جداً بعد ذلك بلع موقف يُبنى على إغفال القبول بمهلة الشهر هذه في مقابل تذكّر الأربعين سنة الماضية!
وعلى ما يفترض أهل الحل والربط والعقل والمنطق، فإنه لا حاجة لأحد ولا مصلحة لأحد في إعادة نبش التاريخ أو الدقّ على وتر العامل الفلسطيني في أزمات لبنان. لان العودة هنا لن تكون الى أربعين سنة مضت بل الى محراب الصلاة لاستمطار الرحمات على لبنان واللبنانيين.. أو على من ما تبقى منه ومنهم!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.