8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

تضامن؟

مرة أخرى نعود يا إخوان الى موضوع الإعلام، وهو الجزء الأساسي من الحياة اللبنانية في مجملها، بل الشريك الرسمي الوحيد للتجمعات والأحزاب والتيارات والقوى المشتغلة فينا وفي السياسة عموماً.
وفرادتنا الإعلامية استثنائية في منطقتنا كما هو معروف تبعاً لحرية موصوفة يُدمغ بها نظامنا العام ومن ضمنه الإعلام بكل مراتبه وأصنافه وتلاوينه، وهو لمن يشاء أبرز تعبير عن مقولة الحرية التي تتخطى في مرات كثيرة حدودها لتصبح تخريباً وتحريضاً بكل ما في الكلمتين من معاني سوداء كالحة لا تليق إلا بأنظمة العسف البائدة التي رأت في التفكير جريمة وفي القلم آلة قتل وفي الصحيفة ورقة نعي لا أكثر.
ولا جديد في القول أن الإعلام اللبناني يشبه اللبنانيين تماماً. ويعكس بدقة أشعة الليزر، كل تلاوينهم وانقساماتهم واتجاهاتهم وآرائهم وطموحاتهم وأحلامهم وسياساتهم. وهذه كما تعرفون، قائمة قاعدة منذ ثلاثة عقود وأكثر عند حوافي الوديان والهاويات تشتعل تنظيراً وتفسيراً وتبريراً لكل مقومات التمايز وتسويق الخراب والاحتراب.. نعم. لا جديد في هذه الصورة، لكن الجديد المثير للمغص والكامن في الصدور لا يخرج منها حياء وستراً، هو الكلام والحكي عن تلك الأسطورة المسماة تضامن أهل المهنة، باعتبار أنهم جميعهم غير معنيين إلا بأدوات عملهم وهذه معروفة وبيّنة ومناقضة حكماً لأدوات عمل أهل المهن الأخرى وخصوصاً تلك المصنوعة من بارود ورصاص وحديد وسكاكين وسواطير وحبال سوداء وأقنعة أكثر سواداً.
مشكلتنا تكمن في أن جزءاً أساسياً من التوصيف السابق حقيقي ولا جدال في ذلك. نعم أدوات عمل الإعلام لا علاقة لها بأدوات عمل أهل العسف والإكراه والفرض والتنكيل والحرق والسبي والخطف والقتل... وسواد المحابر يختلف بطبيعة الحال عن سواد البارود المشتعل. لكن مشكلتنا الأخرى والأبرز أيضاً تكمن في رذيلة انتحال الصفة، أي عندما يتصرف من يدّعي عملاً في إعلام مقروء أو مكتوب أو مسموع مثلما يتصرف المزوّر والمحرّض والمشوّه والشتّام!
ومرة أخرى إسمحوا لنا: هذه الصحيفة التي بين يديك عزيزي القارئ هوجمت وأحرقت في وضح النهار، وكانت هناك صحف ومصحّات عقلية تسمى محطات تلفزة تنظّر وتُحرّض وتُبرر ما جرى. والأمر نفسه حصل مع محطة تلفزيون المستقبل فأحرقت وتشحترت وراحت نفائس أرشيفها حطباً للنيران في 7 أيار الموصوف، وتم ذلك يومها فيما صحف ومصحات عقلية تسمى محطات تلفزة تُنظّر وتُحرّض وتبرر ما جرى.
في البال جبل من الكلام الناشف والفظ والغليظ والمرير تكبته فقط دوافع كثيرة أولها الخجل وثانيها احترام الذات، لكن آن الأوان للنزول عن تلك الهضبة الوهمية المدّعية وصلاً بالفكر والقلم والكاميرا والمطبعة، وآن الأوان للكفّ عن مطولات تزويرية لا تليق بأحد وآن الأوان للتواضع بكل مقوماته.
حتى اليوم، هناك وسائل إعلام تمتهن الكذب والتحريض والدعوات المكشوفة لقتل آخرين، بل بعضها لا يزال اليوم يشتم ويشمت بأهل مهنة أشراف وأبرار قضوا وراحوا قتلاً واغتيالاً، وحتى اليوم هناك وسائل إعلامية تمتهن التزوير ولا تخجل، وتسّف إسفافاً غير مسبوق حتى في عزّ حروبنا.
زميلي العزيز: كفّ عن الكذب والافتراء قبل أن تطلب التضامن معك. وكفّ عن التحريض على القتل قبل أن تطلب التضامن مع قلمك، وكفّ عن إبتذال المهنة وأهلها قبل أن تطلب التضامن مع كاميرتك، وكفّ عن اعتبار نفسك فوق القانون قبل أن تطلب التضامن مع شاشتك، وكفّ عن التنظير لسحل الآخر ونفيه قبل أن تطلب التضامن مع رأيك.
تضامن مع أهل المهنة. نعم. لكن أين أعراف هذه المهنة عند هؤلاء؟!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00