ما كان يمكن لهذه المصارعة السياسية المفتوحة بين تركيا وإسرائيل إلا الوصول الى هذه النتيجة يا اخوان.
وهي البداية في سياق يبدو انه سيطول. إذ اننا إزاء أول دماء تركية تسقط برصاص إسرائيلي مباشر في التاريخ. وهو رصاص استهدف في طريقه بناء وُضعت أحجاره حجر فوق حجر على مدى أكثر من نصف قرن في العلاقة بين تل أبيب وأنقرة، وهي النصف الآخر من العلاقة المزدوجة مع قطبي الرحى اللذين أُريد لهما الاطباق على العالم العربي من خارجه.
سقط القطب الأول في العام 1979 مع ثورة إيران، وها هو القطب الثاني يتهاوى تحت وطأة ذلك الرصاص الإسرائيلي ومنطق التطرف ورعونة نطح الحيطان، ثم تحت وطأة السياسة الجميلة المكلّلة باحترام الذات والتاريخ والجغرافيا والتراث التي يعتمدها رجب طيب أردوغان وحزبه وجمهوره وجمهوريته منذ نحو عشر سنوات مضيئات كبهرجة ليل البوسفور في اسطنبول الأبدية.
ولم تفعل إسرائيل بالأمس شيئاً غير مألوف في سياستها القائمة على تصفية الحساب مع الاغيار بلغة الرصاص والدم متى افترضت (وهي دائماً تفترض) أن مصلحتها الدائمة لا تستقر بغير منطق الفرض والقوة.
..حبلت على مدى السنوات الماضية، من الأداء التركي المفاجئ والخارج عن سياقه المعروف في السياسة والديبلوماسية والإعلام والفن والأمن والعسكر، ووّلد ذلك الحَبَل قبل مدة عنفاً ديبلوماسياً غير مسبوق في حق السفير التركي عندها اعتراضاً على مسلسل تلفزيوني، ثم ولّد بالأمس عنفاً دموياً غير مسبوق بدوره إلا في لغة القراصنة ضد مدنيين عُزّل في مهمة إنسانية كبيرة... وبين المحطتين الأبرز في الشهور الماضية، هناك الكثير من التفاصيل الدّالة الى أن الزجاج انكسر في العلاقة بين الطرفين، ولا قدرة لأحد على إعادة تلحيمه ليعود كما كان من جديد.
والأداء الإسرائيلي في كل حال، تتمة طبيعية لمنطق إلغائي متطرف: يهاجم بالتهديد والوعيد من يدعو الى تسوية تليق بهذا الوصف، ويهاجم بالحديد والنار مدنيين يحملون صناديق مليئة بمساعدات لأهل غزة المحاصرين.
..في حرب حزيران من العام 1967 قصف الإسرائيليون السفينة الحربية الأميركية ليبرتي ما أدى الى مقتل وجرح العشرات من أفراد طاقمها. ومع أن العملية كما تبيّن، كانت مقصودة وعن سابق تصور وتصميم وتخطيط، فإن إدارة الرئيس الأميركي ليندون جونسون طوتها تحت ثقل العلاقة الاستراتيجية بين الطرفين، ولم يعد يذكرها أحد.
..في 31 أيار عام 2010 قصف الإسرائيليون قافلة الحرية (مصادفة الاسم) ما أدى الى مقتل عدد من الأشخاص معظمهم أتراك. ومع أن العملية كانت مقصودة وعن سابق تصور وتصميم وتخطيط، فأنها لن تطوى تحت أي ثقل، حتى لو كان بخفة الريشة، وسيبقى الأتراك يتذكرونها ويذكّرون العالم بها، وأول التذكار سحب السفير والباقي تحمله الأيام الآتية.
لا أعرف، ولا أحد يعرف، ما الذي ستحمله تلك الأيام، لكن ما أعرفه ويعرفه الجميع هو أن أنقرة ليست واشنطن، والأتراك ليسوا أميركيين، وأردوغان ليس جونسون!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.