... هذه الدنيا، مثل ضوء سارح في ليل.. مُتعرّج لا يصل مستقيماً، رغم أنه يقوم بدور جلل عندما يطرد العتمة!
متعرّجة من بدايتها. من أبوابها وبديهياتها. فيها طلوع ونزول، وثبات وكبوات، ونكسات وانتصارات، واحتفالات وانكسارات، وفيها من قال أبلغ الحكم إن كانت لك فلا تبطر وإن كانت عليك فلا تضجر.. وفيها بعد ذلك صدٌ أتعب عمالقة الزمان وأفذاذ الرجال، الرواد والأصفياء، والمنتقين والمختارين، كما الصعاليك والمنبوذين والداشرين في المنافي.. وفيها من ملّكته بعض أسرارها فدانت له واستراحت عند طوع يديه وما بخلت..
وفيها فوق ذلك وقبله وبعده، عدالة مطلقة يختصرها الفناء. ولا جدال ممكن عند أسواره، ولا حوار يخدش حقيقته الخالدة، أو يمكن أن يُسجل في دفتره حرف إضافي واحد، بل قل هو خارج نطاق الأبجدية في كل لغة معلومة أو مجهولة، أحكامه عامة شاملة لا تمييز فيها بين جغرافية وأخرى، وقومية وأخرى، ولسان وآخر ونسب وآخر: الموت هو لغة الأرض.
.. لكن في هذه الدنيا أيضاً، نقيض ذلك الفناء وتلك اللغة، يتجلى في كل لحظة ودقيقة وساعة ويوم وسنة: خلق متجدد، لا يتوارى خلف الغيب، ولا يتوانى وئيداً أمام طوفان المقدّر، ولا ينزوي تاركاً السلطان للعدم، والسيادة للزوال... جدلية لا ترتاح ولا تريح، تجعل التناقض عنواناً ثابتاً، وقانوناً أبدياً لا بقاء من دونه.
.. حدّثني طيف فكر مرّ على بالي، مروّضاً متعة الشرود والنأي فقال: الفكرة أحلى من قائلها والالتصاق بالتراب يعني الإمساك بالحقائق المرئية كما هي. وسرّ الأسرار دونه مستحيلات بالجملة، وتحت ذلك يمكن النحت بإزميل الوقت على حجارة الزمان، دقائق عيش بسيط يبزّ بجماله ليل صحراء مطرّزة سماؤها بأسئلة ضوء لا تفنى، وأزرق بحري لا قدرة للون على استيعابه، وأخضر ريّان مضاد بالفطرة لليباس وأقرانه.
في هذه الدنيا، تخبو الفرادة خلف ستار التعقيد، ويصير جُلّ المرتجى أن يحمل تعاقب الأيام والفصول القدرة على تلقّف البساطة وتحويلها الى نمط دائم ديمومة تعاقب الموت والخلق!
تبسيط مُعقّد. فيه من تناقض تلك الدنيا بعض الشذرات المتواضعات.. قتلاً للملل وهرباً مؤقتاً من ليل الوقائع الى صبح الخيال.. والسلام.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.