هدية..
إنتبهت فجأة يا إخوان، رغم عجقة الانتخابات، الى أن بيروت عاصمة دولية للكتاب للعام 2010، علماً أن عاصمتنا والقلم صنوان حميمان بينهما عِشرة عُمر ورفقة زمان طويلة.
بل أن لبنان في الإجمال، تميّز بأنه سبّاق كان ولا يزال في هذا الضرب من أحوال الدنيا، وأن المطبعة الأولى في الشرق الحديث أتت إليه، وأن المزاوجة بين حب التشاوف الفارغ، وحب الكتاب المليء، كانت من أحلى تناقضات العيش فيه، ولا تزال بطبيعة الحال.
ومنذ سنوات مضت كتب أحدهم أنه ليست كل الكتب التي تُكتب تُنشر، وليست كل الكتب التي تُنشر تُقرأ، وليست كل الكتب التي تُقرأ تُفهم، وهذا صحيح جداً تماماً بتاتاً، علماً أن بيروت في جانب من تلك المعاني تبدو كأنها تطبع أكثر مما تقرأ، وأن ما تقرأه على قلّته لا يُضاهى بأي عاصمة مشرقية أخرى، من تخوم بحر قزوين الى مضيق البوسفور مروراً بأنشودة المحيط والخليج الطنّانة المعروفة.
غريبة هذه القصة بالفعل: قُتِلَ كتّاب وأهل قلم وروّاد فكر كُثر، مع من قُتِلَ ورَاحَ في الحروب اللبنانية، لكن لم يُقتَل كِتَاب واحد رغم تعاقب الأزمان والسلطات (الشرعية والشارعية).. والأغرب من ذلك أن بلدنا الذي شهدنا فيه هوس تهشيم الدنيا بما فيها من ناس وبنى وأدوار وهامات وقامات ودول وجيوش، بلدنا هذا لم يستطع أحد فيه، أي أحد، أن يُهمّش فكرة واحدة من كتاب واحد. وبهذا المعنى، فإن قراراً ما يصدر عن السلطات المعنية بمنع نشر كتاب أو عدم السماح بدخول كتاب الى بيروت، يوازي في ندرته، افتراض تمتع الجنرال قاهر الحشاشين أو زميله الجنرال بيّاع التماسيح بخيال أدبي في البلاغة والأخلاق على حد سواء.
ولا أخفي هوسي وشغفي (والشغاف هو غلاف القلب) بقراءة الكتب العتيقة والعريقة، وبمتابعة الإصدارات الحديثة، علماً أن الزمن الطيّار الذي نعيش فيه يدرّب تدريباً استثنائياً ومجّانياً ومفتوحاً على الكسل الفكري من خلال وسائل إعلامه وتقنياته وآلياته السريعة، ومن خلال مغريات الركون الهادئ أمام شاشة مسطّحة، والشرود معها في أحلام يقظة مُشعّة تعوّض بؤس الحال والأحوال.
أما لماذا انتبهت أخيراً الى أننا نعيش في العاصمة العالمية للكتاب هذا العام، وبالتالي استنفرت مهموماً في هذا المضمار، فلأنني قرأت بالأمس خبراً لا يجود الزمان بمثله إلا في فترات متباعدة جداً، وهو يقول إن أحدهم الذي يشبه اللعنة، حصل على كتاب كهدية، علماً أنه يتآمر ولا يقرأ، ويكذب ولا يقرأ، ويفتري ولا يقرأ، وأن لعنته أصابت بلدنا في كبده وقلبه مقتلاً!
أما بعد ذلك، فإنني من الآن حتى إشعار آخر، سأركّ ركّاً شديداً كثيراً على القراءة بالمقلوب، علّني أجد تفسيراً مقنعاً لما يحصل عندنا في هذا الزمن المقلوب.. والسلام!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.