سلطة؟
جميلة مواسم الانتخابات يا إخوان، ومتعبة، مرهقة ومثيرة لكل مغص ممكن في الوقت نفسه.
وهي، وإن كانت في بلدنا مرادفة للحياة السياسية منذ نشأة الجمهورية، ولم تتأثر بمحيطها لا من قريب ولا من بعيد، تبعاً لعدم تأثر النظام في أساسياته بذلك المحيط، فإنها من دون شك أو رأفة أو رحمة أو دمعة وابتسامة، تثير في مراقبيها نوازع غير مستحبة في الكثير من الحالات، وتلك النوازع تمر على حافة أقوال فظّة وأحكام أكثر فظاظة مفادها المختصر واللئيم هو أنها ليتها ما كانت انتخابات، بل ليتها تُضبط في سياق توجيهي مرصوص يخفف من وطأة هيجانها وهيجان بعض المشاركين فيها!
جادل أحد الرؤساء الغربيين في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي، بأن دفاعه عن بعض أنظمة دول العالم الثالث رغم كونها قسرية، زجرية موجهة، سببه أن الديموقراطية لا تنزل بالمظلات من فوق وإنما تكتسب بمراسٍ اجتماعي اقتصادي - تربوي متكامل يأخذ سنوات طويلة جداً كي ينضج، ودونه عقبات كأداء تحتاج الى تسويتها بالأرض كي تمهد الطريق للوصول إليه، أي الى تلك الحالة الاستثنائية الفذّة التي تعني تداول السلطة بما هي شأن عام وليس خاصاً.
ما أراد ذلك الرئيس قوله من دون أن يقلل الأدب أو يهين أحداً هو أن بعض المجتمعات غير مؤهلة للصعود الى تلك المنصة، ولا يمكن أن تتماهى مع نظم حديثة تقسّم سلطاتها بما يتناسب مع مهامها وأوصافها، ولا يمكن أن تتماهى مع نظام الانتخاب المباشر الذي يعني في أول سطر فيه وصول الأكفأ والأفضل والأكثر قدرة في السياسة والأخلاق، أي وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وما الى ذلك من أداء يلغي الفرض والتعليب والإكراه، ويترك للناس ملكة اختيار من يمثلها، وينطق بإسمها، ويعبّر عن مصالحها العامة، ويحكي بمنطقها الكلّي الجامع وليس الشخصي والخاص.
وفي صلب هذه المرافعة يأتي أن النظم الديموقراطية في الإجمال تُعنى بمتابعة أفعال الناس، وليس بـآرائها وأفكارها وتوجهاتها، فهذه متروكة، وفق سياق تقسيم السلطات، لمحاكم تفصل بين النقد والشتيمة، والافتراء والاتهام الموثّق، وتحكم بأغلظ الأثمان ضد من يسيء التصرّف بالحرية الممنوحة إليه حُكماً وقانوناً، من خلال التطاول على حرية الآخرين بالسبّ والشتم والافتراء والرعونة وممارسات الزعران.
... وفي بلدنا العزيز، حاولت السلطات المعنية وضع إطار ناظم متكامل أسمته قانون الانتخابات، عُمِلَ بموجبه (أو هكذا الافتراض) خلال الحملة النيابية الماضية، ويُفترض أنه، في قوانينه العامة المأخوذة أصلاً من قانون العقوبات وبديهيات الدستور، لا يزال سارياً الآن في موسم الجرصة البلدية والاختيارية المسماة احتشاماً وتمويهاً انتخابات؟
أين هو ذلك القانون اليوم، بل أين هي السلطة وقضاتها ومدّعوها العامون وأجهزتها ودوائرها، من ما يحصل على حواشي انتخابات صيدا المحروسة، حيث سعار البعض سارح من دون لواجم أو ضوابط: شتائم وابتذال وممارسات لا أخلاقية وتهديدات لا تقف عند أي حد، حتى ذلك الحد الذي يفرضه القانون العام وهيبة الدولة بمؤسساتها وقواها وأدواتها!
الأخلاق لا تُباع في الأسواق التجارية العامة، ولا تُفصّل على قياسات معينة، ولا يمكن إلباسها لغير مستحقيها، لكن، وحسب علمنا حتى إشعار آخر، هناك سلطة ما زالت موجودة، وقوانين عامة تشمل الجميع بوطأتها وتضعهم تحت تلك الوطأة، فأين هي إزاء سياسة البلطجة وممارسات عميد الشتّامين في صيدا!؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.