تخبو مسألة إلغاء الطائفية السياسية يا إخوان، ثم تعود لتظهر من جديد.. وفي البال أن الأمر تراشق في السياسة قبل أن يكون تعبيراً عن هموم إصلاحية رائدة وأخّاذة، يبقى لبنان في حاجة طارئة إليها من دون أدنى شك.
قلنا هنا إنها مسألة. وفي ذلك فعل تصغير واضح ومقصود، علماً أنها هناك في الجمهورية عموماً واحدة من أخطر القضايا التي يمكن أن تخطر في بال أحد، بل في بال بلد بأمه وأبيه وأخته وأخيه وأولاد العمومة والأخوال والحسب والنسب في الإجمال.
وهي تبعاً لوضعها المرموق والحسّاس قضية تقارب حدود المصائر في بلد مثل لبنان.. ويعرف من وضعها في الطائف أصلاً، ومن علّقها على الرف طوال عقدين من الزمن، ومن يطرحها اليوم، أنها في أول المطاف وآخره تشبه أنشودة وطنية جليلة وجميلة، لكن فقط ذلك، وأنها جاءت في الأساس كتعبير ضميري عن ضرورة مقاربة كارثة الحرب الأهلية بطرح شعارات جذرية لمحاولة إلغاء أسبابها، بل محاولة شطبها من جدول هوايات اللبنانيين في الإجمال.
.. أنشودة تشبه أيضاً، إذا شئتم، تلك الدساتير التي توضع في لحظات تحول الحدود والدول، وتلي الانقلابات العنيفة في الحكم والأنظمة عموماً، وهي كما تعرفون، دساتير مكتوبة غالباً بلغة فخمة، ومسكوبة في أحكام ينحني أمامها طيف أفلاطون وجمهوريته، لكنها وُضعت كي لا تُنفذ في معظمها، إذ أنه في عرف واضعيها: الدستور شيء والحكم شيء آخر!
.. وضعت القضية في اتفاق الطائف، ورُبط تنفيذها بخطوات ميدانية محددة... تأخرت تلك الخطوات، وعُلّق الأخذ ببنود عدة في الدستور على مدى السنوات العشرين الماضية، فيما بنود أخرى نُفذت بطريقة كان من الأفضل معها لو لم تُنفذ. وواقع الحال راهناً، يفيد بأن من يطرح الأمر اليوم (إلغاء أو بداية بحث في الإلغاء) إنما يلغي كل المفاعيل المقصودة من أساسها وجذورها، ولا يستطيع مهما امتلك من قوة السبك والإقناع، إبعاد شبهة النكاية السياسية عن طرحه، ولا تغييب الافتراض بأنه يُبقي الهجوم الإصلاحي وسيلة تهويلية تردّ على مواقف ووقفات سياسية مقابلة في شأن قضايا حساسة وخطيرة محلياً وإقليمياً.
ومن المفيد في الإجمال، التذكير بأن أصحاب التفويض الذي واكب وضع اتفاق الطائف وتلا حرب الخليج الثانية في الكويت، تمكنوا من الإمساك بلبنان بعد أن نسفوا خطوطاً حمراء ميدانية كانت موجودة منذ اندلاع الحرب في العام 1975، لكنهم لم يستطيعوا رغم كل شيء، وكل الصلاحيات من المس بميزان الطائفية السياسية ذاك... فالأمر لا يتعلق لا بالسياسة ولا بالأمن ولا بالعسكر وإنما بـمصير فئة لبنانية، من دون زيادة ولا نقصان(؟).
على أي حال، النص وُضع كمحاولة لمنع تجدد الحروب الأهلية، كما سلف القول، وكإعلان صاخب عن نية في تعويد اللبنانيين على الانتساب الى وطن وليس الى طائفة، فإذا بنا اليوم أمام واقع أقل بدرجات من تلك الأمنيات المشعّات النضرات، بحيث صار المطلوب البحث في تشكيل هيئة لإلغاء المذهبية السياسية، وهيئة أخرى تحدد مفهوم الانتساب الى وطن مكتمل الهامة والبنيان، وهيئة ثالثة تبحث في كيفية المحافظة على الوضع الراهن كما هو: حرب أهلية باردة ليس إلا!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.