أفترض من حيث المبتدأ والمؤخر يا إخوان، أنه يجب أن لا يتفاجأ أحد في الجمهورية اللبنانية الجميلة، بالمواقف الانتخابية الخاصة بالبلديات التي اتخذها ويتخذها حزب الله.
كثيرون يتذكرون اليوم، أن الحزب وعلى مدى سنوات قبل الانسحاب الإسرائيلي في العام 2000، كان يشارك في كل الانتخابات النيابية والبلدية والنقابية والجامعية التي كانت تحصل، وأنه كان دائماً يعتمد (وخصوصاً في الشأن غير النيابي) مبدأ خاصاً به هو أنه لكل حالة علاجها الموضعي.
هكذا مثلاً كان يتحالف في بعض الجامعات والكليات والنقابات مع أطراف تناصبه (مبدئياً) العداء السياسي الواضح، فيما يتحالف في أماكن أخرى مع نسيج وخليط يضم الموجودين والمؤثرين بغض النظر عن انتماءاتهم.
براغماتية أصيلة إذا شئتم، استمرت حتى ما بعد الانسحاب الإسرائيلي، وعلى السياق نفسه من دون أن تتأثر بشيء... لكنه كان يعتمد تلك السياسة حيث لا يستطيع أن يحسم منفرداً او بالتحالف مع حركة أمل، في حين يعتمد (سابقاً وراهناً) نقيض ذلك حيث يستطيع أن يقرر أو أن يحسم منفرداً أو مزدوجاً مع حليفه!
المسألة هنا، تتصل بنهج خاص اعتمده وسار به باحثاً عن مصلحته الذاتية، وهذا حقه الطبيعي رغم غرابته بالنسبة الى حزب مؤدلج الى هذا الحد وتلك الحدّة. غير أن الأمر ليس هنا إنما في مكان آخر. وفي ذلك المكان نجد العجائب في أداء شديد الغرابة، ويتصل بشأن مصيري يتخطى اللحظة الانتخابية وكل ملابساتها.
بمعنى أوضح، ومنذ العام 2005 (تحديداً من 8 آذار من ذلك العام)، دأب حزب الله على ممارسة طقوس سياسية وإعلامية وميدانية تشبه تلك التي يعتمدها من يكره نفسه من الأفراد. فيها كل ما يؤذيه، وكل ما يؤسس لحالة غير سوية بين أطراف وفئات ومذاهب وطوائف تعيش مع بعضها في بلد مثل بلدنا. وفيها، في المحصلة، نقيض جوهري لكل حركة نزاعه مع إسرائيل، من دون أن يسأل أو يشرح أو يُحلل أو يُعلل، بل العكس تماماً.
بهذا المعنى يسأل كثيرون عن معنى تلك السياسة التي لا تكلّ ولا تملّ في طرح كل ما يمزّق عُرى الناس، ويحفر في وجدانها كل أسباب النفور والتمايز وما هو أبعد منهما، فيما الافتراض أن المطلوب (ولو حتى من باب المصلحة) إبراز صورة مختلفة جذرياً للخارج المتربّص بـحزب الله وبالبلد في الإجمال.
قد يكون الأمر استطراداً في غير موضعه، لكن كثيرين اليوم يجدون تفسيراً آخر لموضوع الإجماع الذي لا يحتاج إليه الحزب في شأن المقاومة، ويعتبرون تبعاً لذلك أن الأمر لا يتعلق فقط بـالمقاومة، بل بكل شأن آخر على ما يبدو، حتى لو كان يتصل بمجلس بلدي في مدينة أو بلدة مختلطة من صور الى بلاد جبيل!
يطرح شعارات على مستوى الأمة ويمارس سياسة الزواريب في كل حي وشارع وقرية وبلدة ومدينة له وجود أو شبهة وجود فيها. ويؤسس بكل ما ملكت يمناه ويسراه للحرب مع إسرائيل، وينخرط بكل قوّته لمنع إعطاء مقعد بلدي إضافي لمن يعتبره خصماً سياسياً في قرية نائية. يسأل الناس في كل حين عن مواقفهم الوطنية الجامعة حيال أي خطر خارجي معتمداً أسلوب الديّان والقاضي ومحدداً من هو الوطني والشريف ومن هو غير الوطني والشريف، ويعتمد في الوقت نفسه سياسة وإعلاماً ينفخان في كل ذرّة تمايز لتحويلها الى قضية انقسام ولا أخطر.
.. يُفضّل كثيرون، ان يفترضوا أن الأمر تعبير عن قصور في معرفة الناس والبلد في الإجمال، يشبه قصور المستشرقين الذين يعرفون اللغة ولا يفهمون روحها، وليس نتيجة سياسة مدروسة تقوم على الفرض بالاتكاء على عناصر قوة غائبة عن الآخرين.. والافتراض الأول ألطف، وفيه بالتأكيد حرص على القول أن الوحدة الوطنية سلاح فتّاك في مواجهة الشر المتربص بلبنان وأهله، حتى لو لم ينتبه الى ذلك أصحاب السلاح الآخر، بل حتى لو فعلوا كل ما يؤدي الى العكس تماماً!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.