عاد جورج ميتشل يا اخوان الى المنطقة، ليدشن محاولة تحرك أميركي جديد في شأن عملية السلام.
لكن لا أعرف لماذا أصاب باضطراب صحي كلما سمعت مثل تلك السوالف، علماً أنني قمت سابقاً (وراهناً) بحملة بحث وبحش ونبش واسعة النطاق وبعيدة المدى وعميقة الاغوار في صفحات الانترنت والكتب الطبية وتلك المعنية بعلم النفس، ومع ذلك لم أفلح في فك اللغز، وبقيت في العتم. ولا لمبة!
الأمر على ما أظن يعود الى افتراضي المسبق بأن تكرار التحركات والمواقف ذات العنوان السلمي يكاد أن يكون مملاً، ومن دون أي لمعة إبداع، والأداء الراهن غير مقنع لأحد، والقدرة على إحداث أي اختراق جدي تبدو مبهمة رغم التصفيق الحالي لمواقف باراك أوباما.. غير ان هذا كله لم يمنع انه في عز ارتباكي الصحي إياه لمعت في رأسي صورتان:
الأولى، انه على مدى أربعين عاماً من النزاع المفتوح على الحروب والثورات واللاءات والرفض.. والتحالفات الاستراتيجية مع المعسكر الاشتراكي وعلى رأسه الاتحاد السوفياتي، خسرت دول الطوق مرة تلو أخرى، الحرب والأرض وما عليها. لكن في غضون سنتين أو ثلاث من المفاوضات في مطلع تسعينات القرن الماضي، تمكنت القيادة الفلسطينية من رفع علمها على جزء من الكيان الوطني الفلسطيني المسلوب، وكانت مصر سبقتها واستردت كل أرضها المحتلة حتى آخر شبر في طابا وغيرها.
الثانية: ان قطاعات واسعة النطاق، نخبوية وعامة، في دول الغرب، ظلت على الدوام مسكونة بفكرة ان العرب هم المعتدون وانهم في الإجمال إرهابيون يخطفون الطائرات ويقتلون المدنيين الخ... الى ان سُجّل انقلاب فعلي ومؤثر في هذه الصورة وعلى مرحلتين. الأولى مع انتفاضة العام 1987 عندما وقف الحجر في يد طفل فلسطيني ليقارع دبابة إسرائيلية مدرّعة وجندياً مُدججاً من رأسه حتى أخمص قدميه، والثانية مع تتويج المفاوضات بتوقيع اتفاق أوسلو.
أول من انتبه الى خطورة الأمرين، الانتفاضة والمفاوضات، كان الإسرائيليون قبل غيرهم، فعملوا على قتلهما الواحدة تلو الأخرى، قبل أن يدخلوا المنطقة عموماً في سبات إزاء سياستهم المفضلة: سرقة الأرض على الأرض والكلام عن السلام على الهواء. وكثيرون يتذكرون هذه الأيام ما قاله اسحق شامير بعد بدء مؤتمر مدريد عام 1991 من أن خطته كانت تمييع الوقت بالحكي والتفاوض لعشر سنين تكون خلالها إسرائيل استكملت قضم وهضم ما تبقى من أرض فلسطينية في الضفة الغربية والقدس تحديداً.
افترض هنا، ان تجربة المقاومة في لبنان تبقى استثنائية وفريدة وفي مكانها.. طبعاً لولاها لكانت مستوطنات الإسرائيليين تغطي مساحات الجنوب من أولها والى آخرها، ولا أوهام في هذا المقام ولا بطيخ مُمَسمر. لكنها من جديد، مقاومة استثنائية، وفي مكانها، وأفقها السياسي الأخير مربوط بمسار البحث عن تسوية سياسية وليس عن حروب إبادة.
بهذا المعنى المسوّر بالجغرافيا، تمكنت المقاومة المسلحة مرة واحدة في تاريخ النزاع مع إسرائيل من تحرير أرض بالقوة (الامارة القائمة في غزة اليوم انما قامت نتيجة مسار المفاوضات!)... وبعد ذلك فان المقام لا يحتمل شبهة الخبل، ولا يحتمل الخطأ في التفسير ولا تشويه المعنى، ولهذا، وبانتظار شيء ما يُغيّر الدنيا التي نحن فيها، يبقى خطاب التسوية قاتلاً لنتنياهو وحكومته أكثر من أي كلام طيّار آخر.
..أما عارضي الصحي فأعتقد جازماً أنني سأجد حلاً طبياً له، قبل معرفة نتيجة المصارعة القائمة بين أوباما ونتنياهو ونتائج مهمة ميتشل الجديدة، وبالتأكيد قبل حل قضية الشرق الأوسط بالإجمال...!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.