لا يختلف الكلام الذي قيل في الأيام الماضية يا إخوان، على لسان أكثر من مسؤول إسرائيلي في شأن الحرب واحتمالاتها عن الكلام الذي كان يسبق معظم حروب إسرائيل ضد العرب على مدى تاريخها.
.. الفكرة المحورية هي الأمن ومشتقاته. وعلى تلك الفكرة وحولها وتحتها وفوقها بُنيَ الكلام والقرار والحروب والاعتداءات... والأمن في عُرف الإسرائيليين نطاق يتمدد في كل لحظة مناسبة ومؤاتية على حساب أرض الآخرين في الداخل الفلسطيني والخارج العربي على حد سواء، والهدف دائماً تدعيم الساتر الذي يقفل بإحكام جدران الغيتو أمام الأغيار.
عنوان وجودي مُفترض ومُلتبس عن قصد، أُعتمد كتغطية لأكبر عملية سرقة وعسف وإكراه من نوعها في التاريخ الحديث. وجاءت في سياق تراث وضع اليد من قبل الأوروبيين أساساً (وفقط) على مناطق وبلاد وأراض نائية من أستراليا الى الولايات المتحدة نفسها، مؤسِساً لمرحلة استعمارية صنعت إمبراطوريات ما تغيّرت وتكسّرت وانزوت، إلامن خلال حربَيْن عالميّتَيْن أودتا بحياة الملايين، وأسدلت التراب فوقهم، وفوق كل الفكر الاستعماري الاستيطاني، بلغته ومفرداته وعائلاته الحاكمة في طول أوروبا وعرضها.
المكان الوحيد الذي لا يزال حياً، من آثار تلك الحقبة هو الغيتو الإسرائيلي فقط رغم انسدال الستار على تلك المرحلة، والأهم من ذلك، رغم استبدال الحروب من أجل الأرض، بالحروب من أجل الأفكار والمناهج والرؤى وأشكال الحكم.
صارت الأرض وسيلة بعد أن كانت هدفاً، والمعارك الضخمة التي تلت الحرب العالمية الثانية، بدءاً من كوريا وصولاً الى ييتنام وما بينهما في إفريقيا وأميركا اللاتينية، لم تكن بهدف السيطرة على حيّز جغرافي واحتلاله والاستيطان فيه واستثمار ما عليه وفي باطنه، بقدر ما كانت بهدف إيجاد منصة لمشروع في مقابل آخر: آدم سميث في مقابل كارل ماركس والليبرالية ونظام السوق بالمفهوم الديموقراطي الغربي في مقابل النظم الشمولية المؤدلجة والموجهة حسب المفهوم الذي بنته ورعته دولة العمال والفلاحين انطلاقاً من روسيا وصولاً الى الاتحاد السوفياتي.
كل الحروب دخلت في سياق المفهوم المذكور بما فيها الحرب العراقية برغم خصوصية منطقتنا. وهكذا مثلاً تمكن ملاحظة أن باكستان دولة نووية إسلامية لكنها ليست في حالة حرب مع الغرب والولايات المتحدة، فيما إيران دولة إسلامية تسعى لأن تصير قوة نووية لكنها في الحالة الصدامية التي نعرفها لأنها في مكان آخر بالسياسة والإيديولوجيا.
.. بهذا المعنى تحديداً، يصبح من الصعب والمستحيل على أي عربي أو مسلم، أن يفهم تماماً حقيقة السياسة الأميركية في منطقتنا، حيث هي المنطقة الوحيدة فوق الكرة الأرضية التي لا تعتمد فيها واشنطن السياسة التي اعتمدتها في النزاع البارد مع الشيوعيين والاتحاد السوفياتي ومعسكره، بل على العكس من كل موجبات المنطق والحساب، هي المنطقة الوحيدة التي تدفع فيها أميركا بدل أن تحصد. والمفارقة الأكبر هي أنها تخسر في هذا الجزء من العالم بعد أن ربحت (مجازاً) كل ذلك العالم.
.. وبهذا المعنى أيضاً، يصبح من المستحيل على أي عربي أو مسلم أن يفهم معنى وضع واشنطن مصالحها ورؤاها وأيديولوجيتها على الرفّ، لدى مقاربتها النزاع العربي الإسرائيلي، أو أن يُفهم هذا القياس الذي تعتمده والذي يضع مصالح 5 أو 6 ملايين إسرائيلي في مقابل مليار و300 مليون عربي ومسلم.
معادلة مكسورة من أساسها، والسياسة التي تبنى عليها عرجاء حكماً وبالضرورة، ولذلك يخسر أصحابها بالمفرق بعد أن ربحوا بالجملة.. ولكن نزولاً من هذا المنطق يمكن تخيّل الدرك الذي وصلنا إليه نحن على الجانب الآخر. وفي هذا كلام لا يُقال إلا بعد أن تنام شهرزاد وترتاح ويفكّ شهريار صيامه عن الكلام المباح.. يعني أنه لن يُقال كما يجب. والسلام.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.