8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

تسوية..

يؤنس خطاب التسوية الأهلية يا إخوان ويثير جرصة الغبطة العبيطة.. ويزيد من حدة التحدي الكامن في تفاصيل تخطي الأمس وأزماته ونكساته وأحزانه ومراراته.
وليس من منصة أرقى وأرفع مقاماً من تلك المتّسعة لتلقف نور الشمس، وإخبار العتمة بأن سوادها لا يليق بأيامنا، وعفنها مضرٌ بالصحة في الإجمال، ورحابة الضوء أصفى بما لا يقاس من غبار الكيد والتشظي.
حُكي في سالف الزمان، أن الحياة في أساسها هي نتيجة تسوية بين نقيضين عجيبين: الموت من جهة، والخلود الجسدي من جهة ثانية.. وفي سياقها لمن شاء أن يسبح بخياله صوب مفردات الإعجاز، ومقارعة اللامعقول، ونطح كل ما يتخطى قدرة العقل البشري على التلقي والاستيعاب والاستطراد والاكتشاف، من دون أن يغيّر ذلك في ذرة واحدة من تلك الحقيقة الوسطية النافية للعدم ونقيضه على حد سواء، ومن دون أن يغيّر الإبحار في المستحيل، أي ذرة من الحقيقة المطلقة المعلومة لذواتنا، وهي فناء تلك الذوات.
ويبتعد خطاب التسوية لمن شاء وأراد عن سهولة الشتيمة، واختراع التمايز والفرادة والانتساب ومشتقاته: العائلية، فالمذهبية فالطائفية فالوطنية فالقومية (فالطبقية كي لا يزعل صديقنا القديم كارل ماركس وتلامذته)، ويبتعد أكثر عن نوازع شحن النفس بكل ما ينفيها تحت مسميات ورؤى وهويات وبرامج وشعارات تصطك لوقعها الركبان، ويخبو رنين الخيل أمام هيجانها الصاخب وصراخها الفتّاك.
.. والتسوية أحلى من الإلغاء، لكن شروطها قاسية وصخرية وأصعب من نفيها. وكي تليق بإسمها تفترض الحضور التام من غير أي تلوين، وامتلاك شجاعة آسرة تنفي شبهة التهوّر ونكران الذات، وتفترض فوق ذلك وتحته، وقبله وبعده، شجاعة الإمساك بالهوية في لحظة تهديدها، ورفع الصوت في مواجهة لحظة طقّ الحناجر، وتثبيت القياس في مواجهة محاولة اللعب بالميزان لخلخلته، والتمسك بنقاوة الشعار في مواجهة محاولات تشويهه وكسر هيبته، والجهر بالحق في مواجهة شبهة الظلم والعسف والإكراه.
.. والتسوية لا يصنعها الارتجال بل العلم، ولا يصنعها صغار بل عمالقة، ولا يصنعها ضعفاء بل أقوياء، ولا يصنعها إلا من ملك نقاوة السر والسريرة، وكمش على قلبه بماء عينيه وسعة صدره، وطغيان الود في حنجرته.
.. ولا تعني التسوية، بعد ذلك، إلا احترام الحق وحفظ مقامه، وإلا كان هذا مسألة فيها نظر وليس حكماً مبرماً لا يحتمل الجدل والاستئناف والتمييز. ولا تعني التسوية رضوخاً وإلا انهدمت تحت وطأة شبهة الهزيمة. ولا تعني التسوية إلا ترسيخ مفهوم أخذ الآخر كما هو الى منصّة فيها بديهيات العيش الواحد في بلد واحد لن يذهب أحد من أهله الى أي مكان آخر، وفيها إقامة لا تُهجَّر ولا تُؤجَّر في خطاب الود والأنس، وإيثار الألفة وتغنيج المشتركات الآتيات من قاموس واحد معروف طبياً بأنه يحوي وصفات مضادة للانتحار!
يبقى في سياق هذا البيان أن التسوية هدف في ذاته، والوسيلة الفضلة إليه تمرّ حكماً بالحكي والنقاش والمفردات الجليلة المماثلة.. وأول شرط هنا هو احترام العقل، وترك الاتهامات المفتريات الجاهزات خلف الباب، لأن المقام لا يتسع لنقيضي الحوار والإلغاء، والابتسامة والخنجر، بل لبنيان واحد (هو التسوية إياها)... أما الباقي فإقامته في مكان آخر، لا يبتعد كثيراً عن المصحّات العقلية ولا عن برك الأسيد! والله أعلم.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00