لا أعرف يا إخوان، سبب الامتناع عن التمتع بفضائل تناول مصطلحي الإصلاح والفساد قبل الأكل وبعده، في الجمهورية اللبنانية القائمة بإذن الله.
.. لوازم اللجم الذاتي، عن الدقّ كثيراً على حوافي شعارات تفرّق ولا تجمّع، تُقسّم ولا تُوحّد، تنفّر ولا تُودد، تُشعِل ولا تُطفئ، تُحمّي ولا تُبرِّد... تلك اللوازم يُفترض أن تمنع صاحبها من التمادي في فعلته، حتى في زمن اشتعال الحروب الباردة أو الساخنة، فكيف الحال في وضعنا الراهن حيث خطاب التسوية ورفاهيتها وأنسها مطلوب بحرارة وإيمان وعن سابق إقتناع وتصميم وتعميم.
مع ذلك، فإن الأمر هنا يتخطى ذلك السياق، ويقف عند حافة جبل المصطَلَحَين الآنفي الذكر المتصلَين بالإصلاح والفساد تمهيداً للصعود إليه.. ذلك فقط لأن الراطنين بهما لا يتركون لنا فسحة من النور والضوء، ويفترضون على الدوام أننا غَجَر رُحّل نبرك ونقيم عند القضية التي تطرح من قبلهم، وبأن قدرتنا على العربشة أصيبت بضيم كبير!
وبالعربي الفصيح والصريح، سأقول ببراءة تامة ناجزة، توازي براءة بعض الممانعين عندنا من تهمتَيْ الممانعة والذكاء، إنني لا أفترض بأن الدقّ على وتر النفاق في الحياة السياسية اللبنانية يجب أن يزعج أحداً، وأن ينقلب ذلك الانزعاج باتجاه فلتان يؤذي الناس في مصالحها اليومية.
وأقول النفاق، لأن الحاصل على ما نكتشف يوماً بعد يوم، وتصريحاً تلو آخر، وبياناً تلو بيان، أن أكثر المتحدثين والمتنطحين للتحدث عن الإصلاح في محاربة الفساد، هم من أول المُتَهمين بما يتهمون الآخرين به، وأول المرتكِبين لرذائل يوصمون الآخرين بها، وأكثر الغاطسين في ممارسات يأخذونها على غيرهم، وأكثر الداعسين في وحول يفترضون أنها تلطّخ الآخرين وتعكّر بياضهم، بل هم في ذلك من أهم رواد الافتراء والذم كبداية تتمتها الحتمية تركن عند النفاق ولا تغادر.
أن تطلق شعاراً سياسياً يكون نتيجة طبيعية لقراءة تستند الى وقائع حسية ملموسة، فذاك أمر طبيعي ومفهوم، ولا نقاش، لا في طبيعته ولا في مراسيم فهمه، لكن أن تطحن رؤوسنا، كل يوم وكل ساعة وعلى مدى شهور وسنوات بشعار يشبه الجوكر تركّبه فوق كل شاردة وواردة ثم نكتشف لاحقاً مدى التفنيص فيه، فهذا لعمري وشرفي وطولي وعرضي، أمرٌ لا يمكن الركون إليه، ولا السكوت عنه. لا بالنسبة إلي ولا بالنسبة الى عائلتي (يعني أم رامز ورمزي ورمزية وحفيدي رمّوزتي)!
الأمر جلل، ومحاربة الفساد في جمهورية الإصلاح، شعار طنّان، بدأ في التاريخ عند معظم أصحاب السلطة حتى ما قبل قيام الدول والنظم الحديثة التي نعرفها اليوم ونعيش في ظلها، أو على حوافي ذلك الظل. ولا شيء بهذا المعنى جديد علينا، ولا على أسماعنا المرهفات.
ولذلك يبدو الأمر اليوم شبيه بما كان عليه البارحة. كل طامح سياسي، مهووس بالسلطة والأنا، ولا تهمه المصداقية أبداً بتاتاً تماماً، يمارس تلك العادة اللئيمة والفظّة: يتهم الآخرين بأمراضه، ويُعيّن نفسه ديّاناً وهو مُتهم، وقاضياً وهو مُرتكب، وزاجراً وهو فاجر، ومصلحاً وهو فاسد.
قبل النظم السياسية الحديثة، كان الأمر في سير السلف الصالح، يوضع في خانة النفاق والمنافقين.. في أيامنا العزيزات الكريمات هذه صارت له أسماء رديفة أخرى، بعضها يتلحف الإصلاح...!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.