لا بأس يا اخوان ببعض الترف. ولا باس ببعض اللعب على حوافي الديموقراطية وآلتها الأولى المركونة عند الانتخابات المباشرة. ولا بأس بعد ذلك بقليل، في استعادة متعة التفرج على ذلك الشبق المرادف للسبق نحو المناصب والكراسي. ففي ذلك، والله أعلم، بعض من ظواهر آلية تداول المسؤولية عن الشأن العام حتى وإن كانت الممارسة بنت بيئتها وليس أكثر من ذلك، أي متصلة بالشكل وليس بالمضمون.
قيل في شأن ذلك الحراك المتعلق بالسعي الى السلطة، انه أول مسمار فعلي ضرب في نعوش النظم الامبراطورية والعائلية التي كانت قائمة في أوروبا العتيقة قبل الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، وان ذلك الحراك كان نتيجة حتمية لتغير طبيعة الانتاج وتطور آليات السوق، وابتداع النظم الحديثة لترتيب ما انتجه تداول النقد (المال) وما يتصل بذلك من تغيير مفهوم الضريبة جذرياً.
اخترع الهولنديون الشكل القائم حالياً للبنوك والمصارف، واخترع الانكليز بداية التمرد على السلطان الكنسي ومن ثم تقييد السلطة المطلقة الممنوحة للحاكم وورثته، واخترع الألمان توحيد الأمم والناس بالحديد والنار، واخترع الفرنسيون الثورة التي تأكل ابناءها بعد أن تهضم ضحاياها الأوائل، واخترع الروس القياصرة ثم آلة قتلهم بالرصاص في غابات المنافي وسهول الصقيع، واخترع الرومان قبل كل هؤلاء الامبراطورية والعسكر وزخارف القتل.. وكان الهم والحافز دائماً وأبداً مقارعة الجوع قبل الطغيان وتحدي الظمأ ووحشة الفقر قبل الحرية. لكن كل ذلك العجن أوصل في نهاية الطريق الى تشكيل نظم سياسية مولودة من معطيات اقتصادية محضة: أخطأ كارل ماركس في التفاصيل والتوقعات، لكنه لم يخطئ في المنطلقات.
من حركة السوق وآلياتها خرجت المطالبة بالمشاركة في السلطة. وكما يقول فوكوياما، كانت العملة هي المحرك الأول. مقابل دفع المال للسلطة كضريبة (وبعد أن كانت تشبه الخوّات) يجب المشاركة في تلك السلطة. وفي الطريق الى ذلك فتحت أبواب الجحيم وظلّت مشرّعة لعقود وقرون طويلة... والشكل الراهن الذي نعيشه اليوم ونراه، من بعيد، في دول الغرب (أوروبا انطلاقاً وأساساً) انما جاء على انهار من الدماء، سفكت في طول القارة العجوز وعرضها، حتى قيل أن كل شبر فيها مُغطى بالأحمر القاني.
في ذلك النسق، ربما كانت الامبراطورية البريطانية السبّاقة الى اعتماد الآلية الحديثة لصندوق الاقتراع بعد أن كانت السبّاقة الى تغيير دينها والتمرد على سلطة روما، والسبّاقة الى إعلاء شأن سلطة العموم في مجلس جاء على هدير شنق حاكم وقطع رأس آخر بالمقصلة.
..نحن هنا، في بلادنا العزيزة، كنا قبل كل ذلك، في عالم آخر. ونظام الشورى والأخذ بأكثر من رأي لصنع القرار، موجود منذ الأزل في الشرائع والكتب والممارسة على حد سواء، بل كانت شعوب هذه البلاد المشلوحة تحت أشعة شمس لا تغيب، سبّاقة في إلباس التناقض ثوباً مخملياً لا يفنى: بين إعتبار الناس متساوين في الحقوق والواجبات من جهة، ونظام العبودية والرق من جهة ثانية، وبين ابتداع توليفة لتهذيب الانتماءات المتصلة بالعشائر والعائلات والافخاذ من جهة، وطرح أفكار ورؤى تتصل بالبشرية من أولها الى آخرها من جهة ثانية.. علماً ان نظرة فاحصة يُعتد بها تفيد بأننا لا زلنا نعيش في مجاهل النظر الى لون الإنسان كي نحدد رتبته، والى عدد وقوة منبته كي نحدد هيبته.
وقبل أهل اليونان القدامى وفلسفتهم، كان الشرق شرق الدنيا بالكلمة وسوطها وطغيانها... وزينون الذاهب من فينيقيا الى أثينا لم يكن أقل شأناً من روادها المعلمين، بل يُعزى إليه السبب في طغيان فكرة التمرد على الظلم الآتي من الهزيمة من خلال احتقار الانتصار.. والمشاركة في مديح الحرية والانعتاق من اسر الجمود وإعلاء شأن الخمول، وكان أسياد العقل في هيلينا أول من محّصَ وفصّل وحلّل وناقش في شكل النظام وكيفية صياغته وانتاج أدواته، وكانت الديموقراطية في أساسها وليدة ذلك التطاحن حتى لبست ثوبه يوناني اللغة: ديموقراطية أو حكم الشعب.
كل هذه الديباجة السريعة يا اخوان، جذرها (صدّقوا لو سمحتم) بدء موسم الانتخابات البلدية عندنا، بما هي، (إذا شئتم اختصار الدنيا)، أحد أشكال المشاركة في تسيير شؤون العامة، وأحد أشكال سد نوازع التوق الى أي سلطة حتى لو كانت بائسة ومتواضعة. وفي كلمتين لا أكثر، كل ذلك يبقى أفضل من التعيين والفرض والإرغام.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.