8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

عراق.. (2)

في مثل هذه الأيام إذن من العام 2003 يا إخوان، شهدت بأم العين وأبيها وأخواتها، الحرب العراقية، بعد أن كنت عشت ما سبقها من أحداث ومقدمات على مدى أسابيع قضيتها في بغداد.. وبالأمس حكينا عن أن نظام صدام كان يعرف مآل الأمور وسيرها ونتيجتها، ووضع تبعاً لذلك، سيناريو اليوم التالي لسقوطه. وهو السيناريو الذي أطلعني على بعض تفاصيله أحد الزملاء العراقيين الأعزاء.
السيناريو المذكور كان يلحظ بدقة استثنائية، الانتفاضات الشعبية والمسلحة التي ستتوالى في كل مناطق الجنوب (الشيعي) والشمال (الكردي)، وكيف ستخرج مدينة الثورة (الصدر) بمن فيها لتجتاح بغداد ومن فيها، وعمليات نهب وتخريب المؤسسات والدوائر الحكومية، وملاحقة القيادات الحزبية والأمنية للنظام، وعمليات التصفية التي ستطال هؤلاء... وأين ستُنظم المقاومة الفعلية للغزاة، وفي أي مناطق (مثل الأعظمية والفلوجة) والمثلث (السني) الوسطي الممتد بين حدود إيران وصولاً الى الحدود مع سوريا والأردن، مع تشديد استثنائي على حالات مكثّفة ستنشأ في محافظة صلاح الدين ومدينة تكريت وجوارها ومدينة الموصل شمالاً، وغير ذلك من تفاصيل تُرجمت حرفياً في المرحلة الأولى التي تلت سقوط النظام وبغداد، قبل أن يتحوّل العراق بمجمله الى فرن بشري لا نظير له منذ الحرب العالمية الثانية.
السيناريو كان يلحظ أيضاً أن صدام أمر (ونُفّذ أمره) بتشكيل قيادة رديفة للدولة والحزب تنزل تحت الأرض، أو تترك الى دول الجوار وتتولى قيادة عمليات المقاومة وإشغال الأميركيين بالحديد والنار...
نقطة الضعف المركزية، التي لم يلحظها واضعو ذلك السيناريو، كانت في احتساب مدى قدرة المقاومين (من أهل النظام) على المقاومة، أو بالأحرى ما إذا كانت تلك النتعة موجودة في الأصل.. وأتذكر هنا، كما يتذكر كثيرون، مشاهد بُثّت على الهواء مباشرة لعناصر من الحرس الجمهوري، نخبة النخبة في آلة النظام، وهم يقفزون يوم التاسع من نيسان 2003 من فوق أسوار أحد القصور الرئاسية عند حافة دجلة ويخلعون ملابسهم العسكرية هرباً من الوقوع في أسر الغزاة أو المنتفضين.
كان عراق 2003 بقايا من بقايا بلاد نَخَرَ روحها صدام على مدى سنوات حكمه، وأفرغ كل ما فيها من مكنونات صنعت مجد ذلك البلد على مرّ التاريخ، محوّلاً إياه الى واحد من أفقر الدول الغنية، وشعبه الى شيء آخر لا يشبهه أبداً.
... من أكرم خلق الله شعب العراق، وأكثرهم وداً وحرارة ونخوة، ومن أكثر شعوب العرب والشرق اشتعالاً في عواطفه، لكنه عشية تلك الحرب، كان في غربة قصية عن كل تاريخه وتراثه، بعد أن أطفأ صدام النار الواقدة في قلب كل عراقي وحوّلها الى يباب وفحم وصقيع لا يقارن!
كان في العراق آنذاك شعبان. واحد فوق الأرض تعداده يقارب العشرين مليون نسمة، وآخر تحت الأرض (في المقابر) يقارب الخمسة ملايين نسمة هم ضحايا حروب وغزوات وحملات صدام وربعه على مدى ثلاثة عقود وأكثر.
... خمسة ملايين قتيل، كلهم من العراقيين والعرب والمسلمين. ولا أجنبي واحد. ذلك النظام الذي ملأ الدنيا دماً وصخباً ودماراً بإسم القضايا القومية وفلسطين لم يأت بجزمة جندي إسرائيلي واحد في كل تاريخه. ومع ذلك أسمته الظاهرة الصوتية العربية سيف العرب والمسلمين!!
لكن مع هذا كله، فإن العراق الذي كُتِب فيه تاريخ العرب والمسلمين لزمن طويل، كان وليد النهرين، كما كان أسير المصيبتين: الأولى صدام وربعه ونظامه، والثانية إيران وطموحاتها. وإلى اليوم يفترض كثيرون أن الأخطاء الكارثية المدمّرة التي ارتكبها النظام لا توازي خطايا ما تلاه من تداعيات دموية وسياسية آنية واستراتيجية (وأنا لست من ذلك الرأي)، علماً أن لهذه قصة طويلة تروى لاحقاً... لو سمحتم.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00