كنت في بغداد يا اخوان، في مثل هذه الأيام من نيسان عام 2003 عشية الحرب وخلالها.. حيث بدأ تاريخ جديد لذلك البلد ولمحيطه في الإجمال وحيث ما كان في قدرة أحد يومذاك أن يحدد الوجهة التي أخذتها الحرب، يستوي في ذلك، الآتون من خلف الحدود لدحر صدّام ونظامه، والمنتفضون عليه من الداخل، وصنّاع الرأي العام من إعلاميين ومحللين سياسيين.
كُثرٌ كانوا يقرأون ما سيحصل في القريب العاجل لتلك الأيام. وكانوا يفترضون عن حق أن الأميركيين لن يتوقفوا عند أسوار العراق هذه المرة، كما فعلوا غداة تحرير الكويت في مطلع العام 1991، كما لن يكتفوا بالقصف الصاروخي البعيد المدى مثلما حصل عام 1998، بل إن هدفهم الرئيسي، الذي سينفذ مهما كلف الأمر، هو إسقاط صدام ونظامه أولاً ثم الشروع في تلك المهمة المستحيلة، أي إعادة بناء ما تهدم من نظم سياسية وبنى تحتية في عراق مختلف.
يتذكر اليوم كثيرون مثلي، أن أحداث تلك الأيام، بالنسبة الى رهط الإعلاميين الموجودين في بغداد، كانت مفهومة بهذه الحدود. وكان النظام أكثر العارفين بمصيرية المعركة، ولذا سمّاها أم الحواسم.. ومع ذلك بقي أسير حسابات لا ذرّة منطق فيها ظاهرياً، رغم أنه (مجدداً) كان يعرف تماماً السيناريو الآتي بكل تفاصيله وكان في قراءته تلك شديد الوضوح وفي منتهى الواقعية.
أحد زملائي العراقيين الأعزاء، وكان يومها من عصب أهل النظام، أخبرني بواقعية تبزّ في برودتها الجليد الانكليزي، وبابتعاد غريب عن المبالغات المعروفة في عواطف أهل العراق، وأهل المنطقة العربية في الإجمال، ذلك السيناريو الخاص بـاليوم التالي، أي ما الذي سيحصل بعد سقوط النظام.. وهو السيناريو الذي وُضع أمام قيادة صدام وأركانه وحزبه وكوادره.
والمفارقة الفظيعة، التي لم أفهمها الى اليوم، تكمن أنه في مقابل وضوح الرؤية إزاء الأحداث المرتقبة والمتوقعة، اتخذ صدام قرارات مدمرة أفنت ما بقي من ركائز كان يمكن البناء عليها لتجنيب العراقيين الكوارث اللاحقة التي أصابتهم.
وأتذكر هنا، في سياق البحث عن حل لتلك المفارقة، أنني ذهبت، عشية الحرب، مع زميلي العراقي إياه، لرؤية وزير الخارجية آنذاك ناجي صبري الحديثي بناء على طلبه، من أجل مراجعة مواضيع ومصطلحات مقابلة كانت ستجري معه على الهواء مباشرة... وفي سياق جلستنا يومها سألته بحذر بالغ، وبكلمات مدروسة حرفاً حرفاً، ما معناه: لماذا لم يقبل صدام العروض التي جاءته للخروج من الحكم والذهاب الى دول عرضت استضافته مع عائلته، وبذلك يوفر الكثير على العراق والعراقيين؟.. وفي مقابل جنون التورية والاستعارة والحذر الذي غلّف سؤالي، أجابني بوضوح يشبه أشعة الليزر: وهل تعتقد أنه سيكون هناك عراق بعد صدام!!
يومها، كان تفسيري الوحيد لذلك الجواب، هو أن صدام يمتلك فعلاً أسلحة دمار شامل وسيستخدمها لا محال، في لحظة سقوطه... طبعاً، اكتشف الجميع لاحقاً، أن تلك الأسلحة بمعناها التقني لم تكن موجودة، لكن القرارات التي اتُخذت، أدت في نتيجة الأمر الى نتيجة مشابهة لتأثيراتها حيث غاص العراق عملياً في دمار يكاد يكون شاملاً!
غداً: سيناريو اليوم التالي








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.