صار مملاً يا اخوان، الحديث عن صيف وشتاء فوق سقف واحد في الموضوع الأمني. ولم يعد التوقف عند التفاصيل مهما في ظل الصورة الأشمل.
اذ ان الحوادث المتنقلة ليست سوى ترجمة دموية فظة، آنية ومحصورة في حدود جغرافية وعائلية ضيقة، لما هو أبعد مدى بكثير، اي لذلك المسار الذي ألغى او يكاد من أدبياته وتحركاته الميدانية، كل مفهوم السلطة المركزية والدولة الجامعة والقانون الواحد المُظلل للجميع، عَرِف أصحاب ذلك المسار او لا.
هذه بنت تلك. اذ ان القبض على السلاح لاهداف نبيلة تتعلق بمقارعة المحتل وهزمه وافتراض إقامة نوع من التوازن الردعي معه، او ربما توازن رعب متبادل، من دون إقامة اي نوع من الفصل بين تلك الشعارات والممارسة الداخلية الموجهة الى الآخرين تؤدي (وأدت) الى نتيجة واحدة لا إبهام فيها: السلاح غير الشرعي ينفي السلطة المركزية بالمطلق. وواهم من يفترض القدرة على الفصل بين المعطيين، بل وهمُه مدمّر.
سبق وعشنا خلال السبعينات ومطلع الثمانينات من القرن الماضي، تلك التجربة التي خلخلت الكيان وهزّت مداميكه وكادت تطيح به وبأهله مرة والى الأبد، من خلال منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها المسلحة، وكل من عليها اليوم، يستطيع ان يستعيد ويتذكر ان الدولة اللبنانية بعد ان رضخت لمعطيات اكبر منها ولحراك سياسي يساري طائفي اكبر من قدرتها على استيعابه، حاولت من خلال ما سُمي اتفاق القاهرة الفصل بين تداول السلاح الفلسطيني في المنطقة الحدودية باعتبار انه سلاح لمقاومة اسرائيل ومحاربتها من جهة، وبين إنفلاته الى الداخل اللبناني من جهة ثانية... والنتيجة يعرفها الجميع.
تاريخ مرير الى ابعد حدود المرارة، ورائد من يستطيع اليوم، ان يوزع نسب المسؤولية عن ما حصل بالعدل والقسطاس على ابطال ذلك التاريخ. لكن 200 الف قتيل ونصف مليون جريح ومليون مهجر ومهجور ومهاجر، ودمار لا يوصف، واجتياحات اسرائيلية متتالية وغير ذلك من تفاصيل دموية تدميرية مرعبة، كافية على ما افترض لإبلاغ فحوى الرسالة بوضوح.
لم يحفظ بعضنا ذلك الدرس... ولم يساعد القيمون على السلاح المقاوم اليوم في منع ذلك الكابوس من العودة الى حضورنا ووعينا، لا في السياسة ولا في الممارسة. لا في التوجيه التعبوي الدائم، ولا في كيفية تناول التفاصيل المحلية.
وواقع الحال، ان الأمر أصعب بكثير من الكلام عنه، وأصعب حتى من قدرة ذوي النيات الصالحات والطيبات على الفعل. وبدا ذلك واضحاً في الآونة الاخيرة تحديداً، بعد اطلاق حملة النظام من الايمان التي دعت الدولة وقواها الشرعية الى قمع مخالفات هنا وهناك وضبط انفلات الممنوعات والمحظورات، لكن من دون ان ينتبه اصحاب الدعوة الى أن الحِملَ صار اكبر من قدرة جبال على رفعه، وان حملة التحريض والتجييش على مدى ساعات الليل والنهار وطوال السنوات الاربع او الخمس الماضية، ضد اي شكل من اشكال الشرعية، أكان ذلك يتعلق بالكبيرة او الصغيرة، إنغرست عميقاً، وبان القطاف اليوم وبالامس قرب صور وفي الضاحية الجنوبية وصولاًَ الى الهرمل وغيرها.
غيّب الشعار التعبوي كل آخر مختلف، من الاحزاب والمذاهب وصولاً الى الدولة وأدواتها ومؤسساتها وبنيانها...
وغيّب شعار إنكار الآخر ونفيه كل امكانية او محاولة لضبط الذات وإبقائها تحت سلطة قانون ونظام.. وصارت عصيّة ونائية كل محاولة لضبط الفلتان وفصل الشعار الكبير المتعلق بالنزاع المصيري مع اسرائيل عن شؤون السير ومخالفة البناء وتهريب المخدرات والثأر العائلي.. الخ.
مسار أخطر من تركه لمعالجة موضعية، ومخاطره اكبر على اصحابه من الآخرين، ولذلك ربما، يمكن الرهان على حراك استثنائي لهؤلاء يعيد إعلاء شأن شعار العبور الى الدولة عندهم، ويقربهم شيئاً فشيئاً من مؤسساتها ومفهومها ودورها ووظيفتها، اذ ان في ذلك كبتاً حتمياً لكل معطى قد يخلخل المهمة الاستراتجية الخاصة بمقارعة اسرائيل ودحرها، اذا كان ذلك هو الهدف فعلاً..








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.