يدغدغ شغاف قلوبنا كلام رجب طيب أردوغان، يا إخواننا في تركيا.
وواقع الحال، هو أن أداء مستداماً ومستمراً منذ لحظة وصول حزب العدالة والتنمية الى الحكم في العام 2002، كان سبق ذلك الكلام، ودفعنا مرة تلو أخرى، مأسورين برحابة فوزنا بذلك الجوار بعد طول غربة، الى الوقوع في غرام تركيا وقادتها واسطنبولها وأناضولها والدردنيل وحواشي الأخضر والضوء والماء.
لكن الكلام في ذلك يبتعد قليلاً، ليحاول القول، إن ما يحصل راهناً يكاد يقلب مرة واحدة وأخيرة، كل ما كُتب في تاريخ الإمبراطورية العثمانية في بلاد العرب على مدى خمسة قرون. وهو تاريخ إرتبط كما هو معروف بأحداث بعيدة عن الود والألفة بُعد بيروت عن اسطنبول.. وفيه محطات تحوّلت الى معالم بارزة مثل الاحتفال في لبنان بعيد الشهداء الذي هو إحياء لذكرى من عُلّقوا على مشانق جمال باشا السفّاح عند عتبة القرن العشرين وعتبة أفول الإمبراطورية مع انتهاء الحرب العالمية الأولى.
وما تلا ذلك أيضاً، لم يكن بعيداً عن تلك اللوحة، بدءاً من تغيير حروف اللغة وصولاً الى علمنة الدولة وكل مشتقاتها ومجتمعها وعسكرها وسياستها وثقافتها وفنها إلخ.. بما يعنيه كل ذلك من إعلان عن طلاق مزدوج مع كل تراث مشرقي في الأمة التركية: في اللغة من جهة وفي الدين من جهة ثانية.
ثم بعد هذا، بقي في أذهاننا ذلك الأداء الديبلوماسي والسياسي والعسكري الذي لم يكن مفهوماً بالنسبة الى العرب. تركيا عضو في حلف الأطلسي، والعرب (أو جُلّهم آنذاك) أصدقاء حلف وارسو (المرحوم). وتركيا تقيم علاقات ديبلوماسية وسياسية وأمنية وعسكرية مع إسرائيل، فيما المعاناة قائمة بالطول والعرض في بلادنا نتيجة ذلك. بهذا المعنى مثلاً صارت تركيا المسلمة صديقة إسرائيل، في موقع معادٍ، واليونان المسيحية المناهضة لإسرائيل، في موقع الصديق. ولا زالت كذلك.
تفاصيل أخرى كثيرة كانت تطبع تلك اللوحة، الى أن جاء رجب طيب أردوغان وحزبه، وبدآ مساراً طويلاً لقلب الآية: بدلاً من الوقوف على أعتاب أوروبا كآخر دولة فيها، يمكن العودة للوقوف على أعتاب الشرق الأوسط كأول دولة فيه. وهذا ما استدعى نهجاً متكاملاً مع كل الجوار التركي عنوانه صفر مشاكل. من أذربيجان وأرمينيا، الى سوريا واليونان وصولاً الى قبرص. وفي موازاة ذلك، إعادة نظر تكاد تكون جذرية بالكثير الكثير من المواقف تجاه إسرائيل وممارساتها.
يستثير ذلك الأداء المتكامل والأخّاذ، ملكة المقارنة من دون شروحات كثيرة: العرب في لحظة ضعف تاريخي لألف سبب وسبب. تركيا هنا، رأت أن ذلك الضعف ليس عامل قوة لها بل العكس. لا أخلاق في السياسة على ما يُقال، لكن الكثير من النبل يمكن توظيفه في الاقتصاد والسياسة على حد سواء. والأداء التركي يسير في ذلك الاتجاه. فيه من النبل ومكارم الأخلاق بقدر ما فيه من مصلحة دولة محكومة بالجوار.. وبالتراث المشرقي العميق بكل أبعاده.
على جانب آخر، يبقى النصف الأول من الصورة: العرب في لحظة ضعف تاريخي لألف سبب وسبب. لكن على عكس الأداء التركي، هناك في الجوار من يحاول الاستفادة الى أقصى حد من هذه اللحظة العربية لإنتاج ما يفيده ويفيد مشروعه. بل الحاصل في رأي ثقاة كثر، ان تلك الاستفادة تُترجم على الأرض في أكثر من نقطة في الخريطة العربية، حروباً أهلية باردة حيناً وساخنة حامية حارّة أحياناً أخرى.
.. رجب طيب أردوغان. ثلاث كلمات تختصر سمفونية في السياسة والتاريخ والأخلاق. شكراً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.