ربما للمرة الاولى يا اخوان، منذ تسعينات القرن الماضي نشهد بداية تحرك أميركي استثنائي في شأن عملية السلام، بفعل جملة عوامل أهمها على ما يبدو، أداء الحكومة الإسرائيلية المصابة بسُعار لا ينطفئ.
وبغض النظر عن خاتمة ذلك التحرك، فإن كثيرين مطّوا الكلام وطوّعوا المصطلحات بحثاً عن عنوان دقيق يختصر ما يحصل راهناً بين إدارة باراك أوباما وحكومة بنيامين نتنياهو، وكثيرين خصوصاً في واشنطن، نجحوا في اختصار الأمر كله بجملة واضحة، غريبة على السمع بالنسبة الينا، مفادها ان العلاقة بين الطرفين تمر في واحدة من أعمق أزماتها.
ومصطلح الأزمة المذكور هنا، ما انتشر ولعلع بهذه الصورة إلا في الولاية الثانية للرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، وكان الطرف الآخر على الخط هو إياه الموجود اليوم نتنياهو. وأذكر آنذاك ان كلاماً كثيراً يشبه روايات الخيال العلمي قيل في ذلك. لكن أبرزه كان ما نقل عن رئيس الحكومة الإسرائيلية وفيه انه سيحرق واشنطن فوق رأس إدارة كلينتون (!) جملة مثل هذه، لم يتم التوقف عندها كثيراً ولم تُعلك في الإعلام الغربي لأسباب مفهومة، لكن البعض ربطها فوراً بفضيحة المتدربة السابقة في البيت الأبيض مونيكا لوينسكي... والسبب الفعلي على ما قيل آنذاك كان استمرار واشنطن في سياسة دشنتها مطلع التسعينات في شأن التسوية في الشرق الأوسط ولم تغيرها، ولم تنتبه أو لم تشأ أن تنتبه، الى ان التغيير طال إسرائيل: قُتل اسحق رابين، وسقط الفاشل الدائم شمعون بيريز من جديد في انتخابات عامة، وجاء اليمين وعنوانه الأبرز نتنياهو.
اليوم وصلت الأمور الى حد لم يعد يُحتمل بالنسبة الى الأدارة الأميركية. وليس هيناً على الاطلاق أن تصف مجلة مثل نيوزويك رئيس حكومة إسرائيل بأنه امير حرب لا يهمه إلا البقاء في منصبه. ومعظم الذين يتابعون صحافة واشنطن لا يجادلون في أن التحول الناشئ في اللغة المعلومة المستخدمة، انما يؤشر الى لغة أمر وأقسى وأعنف استخدمت بين الطرفين بعيداً عن الإعلام.
طبعاً قد يعني هذا، اننا يمكن أن نفرك أيدينا طرباً بالذي يحصل ونسمعه ولكن الأمور بخواتيمها على ما يقال، وطالما اننا لا زلنا في البداية فانه يمكن تلمس أسباب كثيرة للغضب الأميركي الراهن آخرها وأبعدها الأخذ في الاعتبار الموقف العربي الراهن!
وفي هذا السياق، كلام كثير يُبلع ويحفظ خوفاً من خدش الذوق العام، وهو كلام لم تخفف من حدة وطأته وخشونته قمة ليبيا الأخيرة بالتأكيد... والمفارقة المؤذية أكثر، هي أنه بينما نشهد حفلة مصارعة على الهواء بين أقطاب البيت الأبيض من جهة وحكومة نتنياهو من جهة أخرى، تخرج من منطقتنا محطات كلام تطلق العنان لمصطلحات تبدأ بالإبادة وتنتهي بالمحو عن وجه الأرض موجهة الى الإسرائيليين.
شواهد كثيرة لا تحصى، يمكن رصفها بسهولة لشرح مدى الأذى اللاحق بنا نتيجة ذلك الكلام ورعونته، ومدى الفائدة التي تجنيها إسرائيل، وكيفية ترجمة ذلك الجنى ونوع المدد غير المحدود المُعطى للسعار القائم في تل أبيب، لكن الاختصار واجب ومشكور وتبعاً لذلك يمكن وضع الخلاصة الآتية:
لا تريد إسرائيل السلام، ولا تسعى إليه، وليست مستعدة لتحمّل تبعاته، ولا جديد في هذا الاكتشاف الخطير. لكن لا يساعدها على ذلك إلا الحال العربي الراهن، والتجارب السابقة الخاصة بكيفية مواجهة أي إدارة أميركية للتحدي الإسرائيلي(؟) والعجز الأوروبي عن ترجمة النيّات الصالحات الى أفعال... ثم ذلك الكلام الطيّار الآتي من ثقافة خلاصية ونهائية تربط السياسة بالفلك والتنجيم، وتنزوي خلف شعارات علاقتها بالواقع تشبه تماماً علاقتي باللغة الصينية: صفر مكعّب!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.