.. ثم عندما سمعت أن أحدهم في صدد تشكيل جبهة وطنية، من دون أن يحدد طولها وعرضها، أصابني همٌ ضرب في ركابي يا إخوان.
إذ أنني انتبهت أخيراً، الى أننا في لبنان كنا نسينا تماماً بتاتاً كيفية الولوج الى محاسبة السلطة على فسادها وتقصيرها وغيابها عن الناس وهموم الناس، وجاء أخيراً من يذكرنا بذلك، ويلوّح لنا من بعيد (حتى الآن) أنه بصدد القيام بتلك المهمة الرائدة وبذلك الدور الجليل المنصوص عليه والمعتمد في أعرق ديموقراطيات الأرض.. وأننا بالتالي صرنا نستطيع أن نفاخر مجلس العموم البريطاني والكونغرس الأميركي والجمعية الوطنية الفرنسية وحتى الدوما الروسي بأننا لسنا أقل شأناً منهم في المحاسبة والتدقيق والمتابعة.
وحسبنا في ذلك يا إخوان، أن القائلين والعاملين والناوين على التصدي لتلك المهمة الأخّاذة النفّاذة، هم من المشهود لهم والمسموع والمقروء عنهم، بأنهم أساطين في نكران الذات والتضحية في سبيل المصلحة الوطنية العليا والسفلى، ومن الواضعين همومهم وطموحاتهم الشخصية تحت تراب هموم الناس أولاً وأخيراً، وأنهم بعيدون جداً كثيراً تماماً بتاتاً مباشرة، عن أي هوس شخصي أو مصلحة ذاتية، أو طموح للعب أدوار أكبر من أحجامهم، أو التنطّح لكسب سياسي طيّار لا يناسب ادعاءاتهم.
... كما أنه معروف ومقروء ومعلوك عنهم، أنهم أساطين في فن ممارسة السلطة عندما كانوا من أهلها وأصحابها، وبالتمسك بأهداب الدستور حرفاً حرفاً عندما كانوا في موقع القرار وفق أحكامه، وأنهم حريصون الى حدود أبعد من حدود أستراليا وبحر الصين، على الموضوعية وعدم النفخ في كير الانقسام، وأنهم أيضاً شديدو الدماثة، ولوردات في اللياقة وفن الحديث ورشق المصطلحات المليئة بماء الورد والعنبر، حتى أن أحد المرشحين لدخول تلك الجبهة، يبدو رائداً في إدخال مصطلحات جديدة على اللغة السياسية اللبنانية تبدأ بـالصرماية وتنتهي فوقها ببضع سنتيمترات لا أكثر.
ثم بعد ذلك، انفرجت أساريري كثيراً جداً تماماً بتاتاً، لأنني فهمت أخيراً، أن تركيب البعض غصباً عن الناس فوق رقاب الناس، لم يتم من خلال صناديق الاقتراع، فتم اقتراح صناديق بديلة كي يقف عليها هؤلاء، فنرى هاماتهم ونسمع أصواتهم وبذلك نستكين عند سدرة المنتهى في مصاف أرفع من باقي البشر!.
واحدة من أهضم خبريات الأيام الماضية يا إخوان، هي هذه الخاصة بالإعلان عن النية بتشكيل تلك الجبهة، إذ أن البعض كاد يؤخذ تماماً بنعيق غراب فتح على حسابه وعاد ليذكرنا بأن السماء الزرقاء أقرب إلينا من تلمّس الأمن والاستقرار والانخراط في هموم عيشنا مثل بقية الناس فوق هذه المعمورة.
وكنا بالفعل قد نسينا، فجاء ليذكرنا، ومن دون أن يكلفه أحد، أن الدنيا ليست بخير، وأن رئيس جمهوريتنا مش راكب عالموجة تماماً، وأن رئيس حكومتنا مثله، وأن القوى الأمنية الشرعية ليست أمنية ولا شرعية وباعت السيادة والاستقلال والقرار للأميركيين، وأن الوزير حسن منيمنة بطّاش جزّار، أكل حقوق المعلمين منذ أيام طفولته وصار من الواجب التظاهر في وجهه.. وغير ذلك من الأهازيج التي بقيت، من دون تأطير طبيعي ومنهجي ومنظم، فجاء الإعلان عن العمل لقيام الجبهة المنتظرة لتحقيق كل تلك الأهداف النبيلات، الرائدات، الساميات، السلسات حتى النخاع.
جبهة وعريضة، يعني تخينة.. وهي بالفعل كذلك يا إخوان!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.