8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

أزمة؟

الردح المستمر الذي يطال النظام الدستور اللبناني يزعجني جداً كثيراً تماماً يا إخوان.. وكلما سمعت أحدهم يقول أن هذا النظام وصل الى طريق مسدود، أو أنه صار أسير حلقة مقفلة تسمى بالدارج المفهوم ازمة، كلما تيقنت أن الكلس يغطي جدارنا تزنّر تلك الآراء وان الازمة مقيمة في داخلها.. وأن النظام اللبناني على علاّتة يتميّز بفرادة إبداعية وخلاّقة الى أبعد الحدود.
ومثلي مثل معظم خلق الله في لبنان، أفترض أن المواد الأساسية الواردة في الدستور، معلومة ومحفوظة وواصلة الى أسماع ووعي العامة، غير أن جدلاً ما في شأن مادة معيّنة يفتح المجال واسعاً أمام رهط من الخبراء للشرح والتعليل فتصل طراطيش من ذلك إلينا. هكذا كانت حالتنا في شأن المادة الخاصة بملء الفراغ في موقع الرئاسة الأولى، وعند مناقشة المادة الخاصة بإلغاء الطائفية السياسية وغير ذلك من الشواهد.
بهذا المعنى الخبري، الحدثي، أسير لحظته فقط، وفقط ذلك، يصبح من الضروري والواجب والملح تلقف بعض المساعدة في فهم البنود الدستورية، أما أبعد من ذلك، فإنني أفترض في الإجمال، أنه يمكن لي كمواطن لبناني، أن أعيش دستور بلادي من دون الحاجة الى التبحر في مواده. ومن خلال هذه المسلمة، أمكنني أن ألاحظ ببساطة شديدة أنني أعيش بهذا المعنى (بهذا المعنى فقط، أنسى الممارسة) في جمهورية مثالية.
النظام الدستور اللبناني يضمن الحريات الأساسية الدينية والتعليمية والسياسية والاجتماعية والنقابية للأفراد والجماعات، ويقيم وصلاً وثيقاً وحساساً ومدروساً وشاطراً بين شؤون رعيته تبعاً لتنوع تلك الرعية وتعددها وجغرافيتها الثقافية العابرة للكيان والواصلة الشرق بالغرب وما بينهما.. ويقسّم السلطات بدقة ميزان الماس والذهب وكل ما عليها وفي باطنها من أحجار كريمة أو لئيمة، ويضمن وحدة الحال بين الأرض والناس، ويمنع وضع الغريزة في مقدم جدول الأعمال ويضبط انفلاتها نحو الفرادة المؤدية حكماً الى المطالبة بحدود جغرافية لتلك الفرادة. وفي موازاة ذلك، يمنع الخلل في الديموغرافيا ويقفل الباب والشباك أمام أي محاولة للعب بالميزان إياه ومحاولة إدخال العدد كحجة لارتكاب جريمة لا تغتفر.
النظام الدستور يضمن لعبة تداول السلطة ويداري الأقدار، ويخبرنا بإيجاز واقتضاب وتورية، ان الناس الى زوال والوطن والمناصب الى بقاء. وغير ذلك الكثير من الذي نعيشه من بنود تضمن لنا الكثير من حقوقنا الأولية التي منحنا إياها رب العالمين عندما خلقنا.
هناك كما يقول قائلون، مواد تحتاج الى مراجعة وتصحيح في شأن بعض الصلاحيات الخاصة بالسلطة التنفيذية ورئيس الجمهورية وحقوق المرأة.. بهذه الحدود المتصلة بالشكل وليس بالأساس يمكن تلمس الطريق الى ذلك التصحيح في زمانه المناسب وتوقيته الهادئ البعيد عن ضجيج اللحظة السياسية المشتعلة بالنيات الشريرات.
النظام الدستور اللبناني ليس في أزمة، بل هو مدرسة في فن التسوية الخلاّقة، وهو فن من المفترض أن يمارسه صاحب السلطة في كل يوم، بل في كل ساعة لتدوير الزوايا ومداراة الهواجس والمخاوف والأوهام.. والنظام الدستور ليس في أزمة، بل هذه متأتية من الممارسة اللاغية لأحكام ذلك الدستور، ويمكن القول، براحة ضمير وصفاء لا يضاهيه إلا لون السماء في عزّ شهر آب اللهاب، ان لبنان بلد صعب، نعم، لكن دستوره رائد في مداراة تلك الصعوبة ومعالجتها...
أما مجمل الباقي الهاجم من دون هوادة، فكلام تكتي واستراتيجي على حد سواء يستهدف النظام والجمهورية من أولها وأساسها ويغلّف ذلك بردح مطاط ودائم عنوانه أزمة نظام، فيما هو صادر عن أزمة أخلاق قبل أي شيء آخر.. مكشوفة!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00