8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مصداقية

من جديد يا إخوان، تطل لعبة الإعلام وأدواته وأدواره ورسائله الطاغية من دون مقدمات ولا تراجعات.
ولا جدال بين مختلفين أو متفقين، متراصين في صفوف متقابلة أو متجاورة، في أن سمة العصر تختصر بالعولمة على المستويين الإعلامي والاقتصادي في الدرجة الأولى. ولا جدال بين إثنين أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة وليمونة مقشرة، في أن الإعلام في الإجمال، لا حدود تسّده أو تصدّه أو توازيه أهمية في لعبة تشكيل العقول، وبلورة الآراء والأفكار، وتسويق السلطة ومحو نقيضها، وتغيير الأبيض الى أسود، وقلب الحقائق كما رصفها، والتطاول والذم كما المدح والإشادة، والتبليغ والتحذير كما الطمس والتعتيم، والسرد والشرح كما الاختصار والمحو، ونقل الدنيا بما فيها الى حافة أصابع اليدين للتفرج عليها، وسماع أحوالها وأهوالها، أفراحها وأتراحها، حروبها وسلامها، عاليها وسافلها، ليلها ونهارها، جفافها واخضرارها.. وما الى ذلك من ظواهر عامة وخاصة في كل شأن ومجال، أينما كان، وفي أي باطن أو ظاهر كان.
ولا جدال يا إخوان، أننا في لبنان مصابون بنعمة التمتع بكل آليات الإعلام وتقنياته وأدواته، وكنا، كما تعرفون، خصوصاً في الصحافة المكتوبة، سبّاقين على غيرنا من دول المنطقة، بحكم طبيعة النظام السياسي القائم، ورهافة الانفتاح الثقافي والديني والسياسي على الخارج، أكان ذلك الخارج قريباً أو بعيداً. ولا جدال تبعاً لهذا أن كل ما في التشكيل السياسي والاجتماعي والثقافي والفني والأمني والعسكري لبلدنا، كان ولا يزال، يجد انعكاساً أميناً له في تلك الصحافة، بمساوئه وأمراضه كما في حسناته وصحته الطيبة على حد سواء..
لكن الجدال في آخر المطاف يتمحور حول مسألة أساسية وحساسة جداً كثيراً تماماً بتاتاً، هي المصداقية بكل معانيها.
البعض عندنا يكذب، ويعرف أنه يكذب، ويستمر في الكذب، لكنه في القصة الحزينة هذه، لا يختلف في نهايته عن نهاية مدرسة موصوفة في هذا المجال لا زالت بعض فنونها معتمدة حتى يومنا، هي مدرسة الألماني غوبلز إياه... والبعض عندنا يعتمد ذلك الأسلوب منهجاً تجارياً جذّاباً ومربحاً، من دون أن ينتبه تبعاً لقصر نظره، الى أنه أسلوب ممجوج يُسمى في الدول الراقية صحفاً صفراء، وأن هذه وصلت الى قعرها بعد أن مرّت في أهوال دعاوى قضائية من متضررين، أوصلتها الى الإفلاس المادي، بعد أن كانت وصلت عند القارئ، الى إفلاس أخلاقي لا قعر له.
لا يعرف أصحاب ذلك الأسلوب، أول درس لُصِق بالناس لتحديد نوعية أخلاقها ومعدنها، وهو أن الكذب عارٌ قائم بذاته، لا يُقارن بأي خطيئة أخرى، وأن الشك بذكاء القارئ وحصافته ودرعه الأخلاقي، لا يمكن أن يقوم به إلا جاهل يدّعي المعرفة، وغبي يدّعي الذكاء... وأن استغباء الناس هو الغباء بعينه، وأن افتراض القدرة على الاحتيال وتعميمه جرّبها فطاحل في التزوير والتلفيق فرماهم التاريخ على حافته ومشى.
البعض عندنا يدفع الاسفاف الى الخجل. ورغم خطورته وأذاه، يستمر في شغله من دون تراخ أو وجل، ناسياً أو متناسياً، أننا لا زلنا في لبنان، وفي العام 2010، ولسنا في المانيا عام 1936!!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00