يختال القلق هذه الأيام من جديد ويطفو عالياً يا اخوان.
وهو يكاد يصير ملازماً لأنفاس الناس، لاحقاً بأرواحهم وأدائهم وكامشاً عليها أيّما كمشة، بل يكاد يصير قميصاً لا يُخلع خوفاً من هريان العري ورائحة الفضائح فيه.
ولا أخفي انني والقلق صنوان. اثنان في واحد. أنام على مخدته، وأتلحف بلحافه، وعندما أغافله بالنوم يأتيني في أحلامي يكمل العقد وينهي الفرار.
وحالتي بمعنى أوضح وأفصح، أراها حالة عامة وشاملة حتى تكاد تصير هوية رديفة لعدد من الناس قد يشكلون يوماً ما الحزب الأكبر في الجمهورية اللبنانية.
والبواعث والأسباب لذلك القلق أكثر من أن تُحصى، وأشمل من أن تعصر في عُجالة يومية، وطبيعتها أكثر عمقاً من مثيلاتها في مجتمعات أكثر تطوراً ودول تسمى غنجاً دول الرفاه، بل حتى في المجتمعات والدول المعتّرة والفقيرة والمسماة خجلاً واحتشاماً الدول النامية.
يقلقون عندهم لأسباب لها علاقة بالحياة نفسها. يومياتها وآلياتها وتفاصيل استمرارها، ونقلق هنا للأسباب عينها لكن مع اضافات استثنائية لها علاقة بالفناء وكيفيته، وهول العدم الابدي وموعد وصوله إلينا.
يكفي يا اخوان اننا من دون أي استثناء، نهجس بشعار وطني جامع مانع رنّان هو متى الحرب!!... شعار يختصر كل الرواية وراويها والقارئ فيها.
متى الحرب! هكذا حالنا منذ ثلاثة عقود.
تغيرت الدنيا وتزلزلت، انهارت دول وامبراطوريات وقامت غيرها، وتغيرت خرائط كيانات بأمها وأبيها وأخيها واختها والسليلة جمعاء، وجاء الانترنت وأصحابه، والهاتف النقّال وعاداته وسحره والشاشة المسطحة وأبعادها الثلاثية، ووصلت الناسا الى المريخ، وغيّرت أميركا 5 أو 6 رؤساء، وزحط الاتحاد السوفياتي العظيم الى مصاف التفكك والتهشيم وتحول من حامل فكرة المشاع القاطع للقوميات والاثنيات والطوائف والحدود والدول والطبقات، الى مصنع نموذجي رائد في توليد أفحل أفكار الخصوصيات على أنواعها وتنوعها وأمراضها، وخرجت الصين من قمقمها وأسرها، من ماركس ولينين وماوتسي تونغ الى أسواق داو جونز ونظريات آدم سميث، وتكاد البرازيل والهند وأندونيسيا وماليزيا وتركيا تصطف في خانة الدول الأكثر رخاء وثراء، ونهضت أوروبا القديمة الى اتحادها مع 27 دولة و450 مليون انسان وثلث اقتصاد الكون... واندحرت جنوب افريقيا العنصرية أمام سجين سابق اسمه مانديلا وكاردينال جليل اسمه دزموند توتو...وانهار ليمان براذر وفاني ماي وفريدي ماك وأساطير المال في وول ستريت، وأنتج جيمس كاميرون تايتنيك ثم أفاتار ودخلت الزلازل الأرضية والبحرية في يومياتنا وعادياتنا.. ووصلت الطريق الى ضيعتي وسقط عدنان عرقجي في الانتخابات النيابية... وما تغير يا اخوان حرف واحد في ذلك السؤال الطنّان: متى الحرب!!
يختزل الأمر دنيانا أو يكاد، ولا بأس بعد هذا بقليل، أن نتسلى بخبريات وسوالف عن النسبية وأحوالها، وهيجان التفنيص والتشبيح السياسي عن الارتكابات والاتفاقيات، والدروس اليومية في كيفية الممانعة، ونوع الأكل الواجب أن نأكله والثياب الواجب أن نلبسها، والكتب الواجب أن نقرأها، وما الى ذلك من توابع ولواحق مماثلة تجعلنا، برغم هشاشة العظام، نشكر ربنا أناء الليل وأطراف النهار، على نعمة القلق، فهي هنا تبقى أجمل وأهضم ومرادفة (إذا انتبهتم) للحياة نفسها،...يا الله.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.