ما كان ظن عقبة بن نافع (ربما) عندما جاء الى القيروان وبناها وأسسها في العام خمسين للهجرة، ان المدينة ستتحول الى نقطة التوثب الأبرز والأهم لإنطلاق الاسلام الى المغرب العربي برمته والى ما هو أبعد منه وصولاً الى الأندلس، باذراً في كل تلك البقاع بذوراً لا تزال خيراتها قائمة الى اليوم وستبقى كذلك ما بقي الانسان ودامت حضارته.
أراد ذلك الآتي من المشرق العربي ان يؤسس ما يشبه الحصن لبث الدعوة لكنه (ربما ايضاً) ما عرف آنذاك ان النقطة التي اختارها بعيداً عن الساحل، ستتمدد في الجغرافيا والتاريخ الى ذلك الحد، وستكون معلماً لا يُضاهى في كل الشعاع المغاربي، يضم تحت ضوئه عشرات الملايين من البشر، ويغطي مساحة عشرات آلاف من الكيلومترات المربعة ومئات السنين من العلم والتبحّر فيه، حتى غدت القيروان بعد نحو ألف و380 سنة على وضع أول حجر فيها عاصمة للثقافة الاسلامية يحج اليها المهتمون والضالعون والثقاة في الدين والتراث والأنسنة من كل فج عميق.
المنظمة الاسلامية للتربية والعلوم والثقافة (ايسيسكو) كانت اختارت في العام 2004 القيروان عاصمة للثقافة الاسلامية في العام 2009 ... تلقفت القيادة التونسية القرار برحابة المنتظر والمنتصر، وتصرفت في ضوء ذلك، جاعلة من انطلاق فعاليات التنفيذ في الثامن من الشهر الجاري، مناسبة تليق بالحدث وأهميته، مستعيرة الضوء لتصبه في عين المكان امام وفود من مختلف انحاء العالم الاسلامي وغير الاسلامي نزلوا ضيوفاً مكرمين، وجلسوا في حضن التاريخ وبين جدرانه يستعيدون ذلك الزمان الغابر المليء بالتحديات والمستحيلات طارحين على انفسهم اسئلة متأتية من عصرهم الراهن، عن كيفية ملاقاة السلف الصالح لعقبات الجغرافيا ووحشة الطريق وطول مسافته ونُدرة البشر والبنيان عليه، وخطورة فتكاته ومخاطره.. كيف فعلوا ذلك قبل الف و380 سنة سيراً على الاقدام او ركوباً على خيل وجمال، وكيف وصلوا الى هذه الشعاب، ثم كيف اسسوا وبنوا وانطلقوا وبثوا وركزوا كتابهم في اصقاع كانت أليفة فقط للوحوش التي فيها وحدها فحسب؟!
عقبة بن نافع و10 آلاف من اهل حملته الأولى، جاؤوا كأنهم بالامس، ونزلوا كأنهم في بيت فسيح، حوله خضرة وماء، وفيه كل اسباب الرخاء ورحابة العيش وامان الاجتماع المتأتي من تلاقي الناس وكثرتهم.. كل ذلك يبدو اليوم وكأنه كان في العام خمسين للهجرة، لكنه لم يكن، وتلك الامنيات كانت اسيرة الصدور والعقول ليس الا قبل ان تصير واقعاً قائماً اليوم، نكتب عنه بوجل متأت من خشية التسطيح وطغيان الحداثة وآلياتها.
غير ان الملفت جداً هو ان القيادة التونسية التي تمكنت، في ضوء التحول الذي حمله الرئيس زين العابدين بن علي في 7 تشرين الثاني عام، 1987 مجابهة الخطر الاصولي المتطرف المهدد للبنيان والكيان الوطني العام بأسلوب مميز في سلاسته ونجاحه حتى صار مضرب مثل، استعارت مناسبة اعلان القيروان عاصمة للثقافة الاسلامية لتعيد تأكيد اولوياتها ومسلماتها وطريقتها في هذا المقام، حيث الاسلام بالنسبةاليها ولسائر خلق الله من اهله في الاجمال، ودين انفتاح ووسطية واعتدال وتراحم وإلفة وعيش وعلم وفقه بعيد عن الغلو والتطرف والتعصب، ودين بناء لا تخريب، وموعظة حسنة وكلمة طيبة، لا دين قمع واضطهاد وغلظة. وكانت الكلمة الافتتاحية للرئيس التونسي، التي القيت في بدء اطلاق فعاليات الاحتفال، تعبيراً دقيقاً ومدروساً عن ذلك النهج المتبع، حيث قال (...) بادرنا برد الاعتبار الى الدين الاسلامي، ايماناً منا بأن ديننا الحنيف هو جوهر حضارتنا وقوام حياتنا، وقد عملنا على رعايته واحياء شعائره واتباع تعاليمه (...) ونشر الفكر الاجتهادي المستنير، والارتقاء بالخطاب الديني في وسائل الاعلام، وتنظيم ندوات اقليمية ودولية مع المنظمات المختصة حول الحوار بين الحضارات والثقافات والاديان، لا سيما وان بلادنا كانت طوال تاريخها المجيد ارض تسامح وسلام ووئام، تعمل على اشاعة هذه القيم في علاقتها مع الامم التي التقت بها، او تمازجت معها (...) وفي القيروان تأسست اكبر مدرسة فقهية لمذهب مالك تشيع الاعتدال والوسطية وترفض الغلو والشبهات وتتجنب اسباب الخلاف والفتنة.
زوار تونس وضيوفها لم يتمكنوا، (اذا صح الجمع) من فصل التاريخ عن الحاضر، او عدم ملاحظة الاستمرارية القائمة، حيث الناس، اهل البلد وقيادته، يحثون الخطى واقدامهم على الارض. لا تطرف في الاحكام، ولا علاقة ود مع الخطب الصاعقة والتغييرات العنفية والتعبيرات الفضفاضة الباحثة عن هيجان سريع العطب، بل وسطية وتواضع ووعي مبدئي بالامكانات القائمة، ومتطلبات التنمية والانفتاح على الآخر، وضرورات الاستفادة من الامكانات الطبيعية، التي تجعل من تونس خضراء نضرة على الدوام، ومقصدا لملايين السياح الاجانب والعرب على حد سواء.
تفاجئ تونس الآتي اليها من خارج، من دون أحكام مسبقة، بمدى التطور الذي شهدته في الاعوام الماضية في كل المجالات والصعد، وخصوصاً في البنى التحتية التي تضاهي اهم دول الغرب. وتفاجئ اكثر بمدى الاستقرار والامان المتاح لابنائها وزوارها، والمتأتي من صيغة توليفية تجمع الانفتاح السياسي والاجتماعي مع امن وامان كادا ان يصبحا عملة نادرة في دول اخرى مشابهة، قريبة لها او بعيدة عنها.
بين جدران وباحات جامع عقبة بن نافع قرأت كلمات الدكتور عبد العزيز التويجري المدير العام للمنظمة الاسلامية للتربية والثقافة والعلوم، التي وصف فيها القيروان بانها جوهرة في مفترق طرقات تونس، ارض الحوار وموطن السلام وموئل التعايش بين الثقافات والحضارات.. وتيقنت ان العرب والمسلمين فتحوا الدنيا بالكلمة الحرة وليس بالسيف، وان تلك كانت الاصل منذ الازل ولم تزل، وان في تونس حواضر وشواهد بيّنات على ذلك، لا يمحوها الدهر ولا تعاقب الازمان والاجيال، ولا نزعات التطرف والارهاب.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.