اختتمت في تونس أمس فعاليات أسبوع إحياء ذكرى التغيير التي حملت الرئيس زين العابدين بن علي الى الحكم في السابع من نوفمبر الثاني من العام 1987. وهذا التغيير الذي شكل أنبوب الأوكسجين المنعش لبلد كاد يحتضر ويضيع في متاهات الاقتراب والاصطدام الأهلي الذي شهدته دول مغاربية مجاورة لتونس.
والحاصل، ان التجربة التي قادها بن علي قبل واحد وعشرين عاماً بالتمام كانت في منزلة بين منزلتين، فهي لم تكن ثورة مسلحة ولا انقلاباً عسكرياً، كما أنها في الوقت نفسه لم تكن مجرد عملية تغيير في رأس الهرم، وهي بهذه المعنى، كانت أقل من انقلاب وأكثر بقليل من حركة تصحيحية، بل كانت بالتأكيد قبضاً على السلطة من أجل انقاذها، وإمساكاً بالقرار من أجل ابعاد تونس وأهلها عن الدهماء وعن مشروع فتنة كانت حركات أصولية معروفة وقتذاك تحضّر لها في سياق مشروعها للسيطرة على الحكم.
ساعد تلك الحركات الأصولية في عملها بشكل غير مباشر حسبما يقول مخضرمون في تونس اليوم، غياب وهج القيادة وسطوة المسؤول الأول وانتشار الاشاعات الكثيرة التي دلّت الى عدم انتظام خطير في قمة السلطة وغياب فعلي للتسلسل الدستوري والقانوني في عملية صنع القرار.
وما نجح الرئيس بن يلي في القيام به كان اعادة تأكيد سلطة القانون وأولوية الدستور. واعادة تفعيل الآلية الخاصة باصدار القرار والامساك به، ولم يعتمد في ذلك على دبابات عسكرية ولا على فرقة من الجيش تحركت في ليل وانقضت على موقع الحكم، بل فعل العكس تماماً، اذ انطلق من داخل النظام لتصحيح الخلل القائم وانهاء الغياب المؤسف للموقع الأول في السلطة لأسباب كثيرة أولها وأهمها المرض والشيخوخة.
لم يقطع الرئيس بن علي في حركته تلك مع الماضي، ولم يعلّق أحداً على المشانق كما لم يزجّ بأحد في السجن بسبب رأي سياسي... بل أخذ الموجود من مؤسسات الدولة والنظام وعمل على تفعيلها واعادة الروح اليها.
وبهذا يقول العارفون بالشأن التونسي، فإن زين العابدين بن علي، عرف تماماً نبض الشارع في بلاده، وعرف كيف يحفظ كل ما كان النظام قد بناه وأنشأه لخدمة التونسيين قبل غيرهم، فلم يغيّر في القوانين القائمة الا تلك التي كان لا بد من تغييرها لمواكبة العصر وحاجات البلاد وخصوصاً في الشأن التنموي الذي يوليه الحكم التونسي أهمية استثنائية كبرى.
يوصف رئيس تونس، بأنه رجل ذكي، وهو بالفعل كذلك. وبدت ملامح سياسته حيال الأصوليين أولاً وحيال المعارضة ثانياً الأكثر تعبيراً عن ذلك الوصف، اذ امتصّ في فترة زمنية قصيرة كل الضغط الذي كانت حركة النهضة مثلاً قد حضّرته في الشارع خلال فترة مرض بورقيبة، فلم يقطع معها تماماً بل فتح معها قنوات اتصال أدت لاحقاً الى اظهار المخبأ في السياسات المدمرة لبعض عناصر تلك الحركة وهؤلاء منهم من دخل السجن، وآخر رفضته، منهم وعددهم 21 سجيناً، خرجت منذ أيام ولم يبقَ في تونس بشهادة منظمات حقوق الانسان الدولية سجين سياسي أو فكري واحد.
ثم حارب بن علي التطرف مستنداً الى نفور التونسي العادي من ذلك النهج وتفضيله الوسطية والهدوء والسلم الأهلي على كل ما يناقض ذلك... هكذا مثلاً، وفي خطابه أمام الوفود المحتشدة في العاصمة أمس، تحدث رئيس الجمهورية مطولاً عن مشاريع
التنمية المستدامة وغيرها... وكانت المفاجأة الكبرى بالنسبة الينا بحق الآتين من لبنان، عندما هب نحو خمسة الاف مستمع وكانوا يتابعون الكلمة مباشرة، وقوفا في تصفيق مستمر لبضعة دقائق، وذلك عندما اشار بن علي الى قرار استكمال بناء طريق سريع في احدى المناطق البعيدة عن العاصمة.
وقف التونسيون وصفقوا لرئيسهم طويلا عندما تحدث عن مشاريع التنمية والبناء والعمران... بينما تعودنا نحن ان يقف الجمهور ويهتاج ويرتفع صراخه بالهتاف كلما كان المتحدث بليغا في كلامه عن تدمير الآخر ونفيه من هذه الدنيا!.
ثقافة الحياة في تونس بخير وهمّها واحد, او هكذا يبدو الامر للزائرين... هو همّ التعمير وتوفير فرص العمل للعاطلين وحاملي الشهادات والاختصاصيين, اما باقي همومها فهي من دون شك، كانت وتظل القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، وفي هذا المجال، لا يجامل المواطن التونسي احدا بل يعبر عن مشاعره بكل صراحة ووضوح ومباشرة.
وفي كلمته المطولة التي القاها في ختام اسبوع احتفالات التغيير، كشف الرئيس التونسي سلسلة تعديلات قانونية تسمح بأوسع قدر من الشفافية والوضوح واحترام العدالة بين المتنافسين في الانتخابات التشريعية والرئاسية, كما حض مرة اخرى على اعطاء شباب تونس كل فرص المشاركة، في العملية السياسية والتنموية على حد سواء. وهو كان اعلن خفض سن الاقتراع من عشرين الى 18 عاما.
... طبعا مشاكل كثيرة موجودة في تونس تفرضها تحديات التنمية في الدرجة الاولى، لكن يمكن لزائر هذه البلاد ان يلاحظ بسهولة ومن دون تدبير مسبق، ان المواطن التونسي يحب بلاده ويحترم قيادته وسلطة القانون والنظام قبل اي شيء آخر، وبهذا المعنى لم يكن شعار تونس اولاً الذي اطلقته المنظمات الشبابية, اسوة التعبير الادق والاصدق عن تلك المشاعر.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.