اليوم الثالث والأخير من الانتخابات الرئاسية المصرية أدى ما عليه وزيادة. وترسّخت تالياً، الإرادة الشعبية التي حملت موجة وراء موجة، رياح التغيير في المشهد السياسي، ثم رست عند اختيار المشير عبد الفتاح السيسي رئيساً للبلاد.
وقالت مصادر قضائية في ساعة متقدمة ليل أمس، إن المرشح الرئاسي المشير عبدالفتاح السيسي حصل على 91،8 في المئة من الأصوات في سبعة آلاف لجنة انتخاب تم فرز الأصوات فيها، بعد أن اغلقت مراكز الاقتراع لانتخابات الرئاسة أبوابها مساء.
وقالت المصادر إن حمدين صباحي وهو المنافس الوحيد للسيسي، حصل على 3،4 في المئة من الأصوات، وإن 4،8 في المئة من الأصوات باطلة. وقدرت نسبة الإقبال بأكثر من 44 في المئة.
وكان بيان لحملة السيسي قال في وقت سابق إنه حصل على 93،4 في المئة من الأصوات في 2000 لجنة انتخاب تم فرز الأصوات فيها، مقابل 2،9 في المئة لصباحي واعتبر 3،7 في المئة من الأصوات باطلة. ويزيد عدد لجان الانتخاب الفرعية على 13 ألفاً.
وقال عضو اللجنة العليا لانتخابات الرئاسة، المستشار طارق شبل، إن العملية الانتخابية سارت بشكل منتظم في اليوم الثالث الممدد. وأوضح أن الفرز النهائي لأصوات الناخبين سيتم بعد تسليم محاضر اللجان الفرعية، ونتيجة انتخابات الرئاسة سيتم إعلانها خلال خمسة أيام طبقاً للقانون.
وأكد الأمين العام للجنة العليا للانتخابات الرئاسية، المستشار عبد العزيز سالمان، أنه لا يوجد إحصاء دقيق حول نسب المشاركة في الانتخابات، مشيراً إلى أن النسبة التقريبية بلغت نحو 37% وذلك خلال أول يومين من الانتخابات، لكن المراقبين يتوقعون أن تكون قد تجاوزت الـ40% مع احتساب اليوم الثالث.
والتمديد في ذاته، ليوم واحد إضافي يُحسب لصالح العملية الانتخابية وليس ضدها، ولصالح تأكيد صدقية السلطة المشرفة عليها وليس العكس، وفي رأي مراقبين كُثر، التمديد يعني أولاً أن عمليات الاقتراع كانت شفافة وواضحة، وأن زمن التعليب المسبق والتزوير والنسب الضاربة فوق التسعين في المئة، انتهى في الزمن المصري الجديد، والحصانة التي ولّدتها ثورة يونيو (حزيران) شملت بعطفها الجميع وأولهم القوى الممسكة بالسلطة ومؤسساتها.
وعلى العكس تماماً مما تقوله جماعة الإخوان المسلمين والمتحالفون معها في الخارج وبعض الداخل، فإن تراجع عدد المقترعين يُعزى لأسباب عدة ليس من بينها التجاوب مع الدعوات إلى المقاطعة، ولا التعاطف السياسي مع حكم المرشد العام ولا مع أداته الرئيس السابق محمد مرسي، بل هو في الواقع نتيجة عوامل عدة أولها شعور الغالبية العظمى من المصريين أن لا منافسة فعلية بين المشير السيسي وخصمه حمدين صباحي، بل إن الاثنين ينطلقان من منصّة سياسية شبه موحّدة، أساسها تخليص مصر من كابوس الإخوان، بعد أن تخلصت قبله من كابوس فوضى المرحلة الانتقالية وفلتان الشارع، على العكس تماماً من الانتخابات الرئاسية السابقة التي استعر فيها النزال، وخصوصاً في الجولة الثانية منها، بين تيارين متناقضين ومتعارضين ومتنافسين جذرياً، عبّر عنهما مرسي من جانب، ومرشح القوى المضادة أحمد شفيق من جانب آخر، واستخدما فيها كل ما لديهما من إمكانات.
انتخابات هي أشبه باستفتاء، وهذه نقطة ضعف مثلما هي نقطة قوة، باعتبار أن الدخول في لعبة الأرقام قد يخيّب الآمال ويطمس حقيقتها المؤكدة. وهذه تقول إنه إذا كانت الانتخابات التي جاءت بمرسي رست عند نسبة خمسين في المئة من عدد الناخبين البالغ نحو خمسين مليوناً، وفي ظلّ معركة كبرى حقيقية وضخمة، فإن توزعها قارب التساوي، أي أن كل مرشح من الاثنين حصل على ما يقارب نصف أعداد المقترعين. والجميع يعرف أن مرسي فاز بفارق بسيط على شفيق، أي أنه حصل على نحو 13 مليون صوت.
في المقابل، فإن الاستفتاء الراهن على المنجز السيسي، تخطت نسبة المشاركين فيه الأربعين في المئة من عدد المقترعين، أي أنه يكاد يأخذ وحده ما أخذه مرسي وشفيق مجتمعَيْن. وهذا في علم الانتخابات يعني الغالبية العظمى من شعب مصر.
وقد أجرت شركة إجابات المتخصصة في استطلاعات الرأي العام بمشاركة قناة النهار الفضائية المصرية، استطلاعاً للرأي العام أمام لجان الاقتراع خلال أول يومين من الانتخابات الرئاسية وصلت العينة فيه إلى 70 ألف ناخب تم اختيارهم بشكل عشوائي من أمام مراكز الاقتراع على امتداد الجمهورية المصرية، وتم سؤالهم عن اتجاه تصويتهم في الانتخابات.
وأشارت النسب الأولية للاستطلاع إلى حصول المرشح عبد الفتاح السيسي على 93% من أصوات العينة، مقابل حصول المرشح حمدين صباحي على 6%، فيما بلغت الأصوات الباطلة 1%.
لكن المشهد لا يخلو من الشوائب في هذا المضمار، أولها أن بعض وسائل الإعلام تحديداً، سوّق لفكرة سرعان ما انتشرت وأسرت الجميع بشرانقها: وهي أن الثلاثين مليون متظاهر الذين نزلوا إلى الشوارع في القاهرة والمحافظات المصرية في 30 يونيو (حزيران) الماضي ضد حكم الإخوان يجب أن ينزلوا من جديد إلى صناديق الاقتراع! وكأن الشرعية لا تُعتبر مكتسبة وفعّالة إلا عند هذا الرقم الذهبي، في حين أن الواقع والحقيقة يدلان على شيء آخر تماماً، وهو أن الشرعية الفعلية هي التي انتصرت على انقلاب الإخوان في 30 حزيران 2013، وأن الرقم بعد ذلك لا يعني الكثير تحت هذا السقف طالما أنه يشتمل ويؤكد ويرسخ التخلّص فعلياً من تجربة إخوانية وحّدت أخطارها واحتمالاتها كل المصريين ضدها.
صحيح أن الصراخ الغربي بدا في لحظة ما موازياً لصراخ محور الإخوان في مصر وخارجها، لكن الحقائق تبقى أعلى من كل ما عداها، وأولها أنه لولا الجيش المصري وقعت مصر في كارثة حرب أهلية لا يعرف أحد المدى الذي كانت ستصل إليه في خرابها ودمارها ودمائها وبلاويها، وأن هذا الجيش هو اليوم رديف السلم الوطني والاستقرار وبناء الدولة ومؤسساتها، وأن هذا الجيش يتعرّض مثله مثل عموم المصريين، إلى حرب نفسية وإرهابية وأن الأسلحة المستخدمة ضدّه هي أسلحة فعلية وأبعد ما تكون عن الموقف السياسي أو الإعلامي أو اعتماد آلية الاقتراع وصناديق الانتخابات!
لقد تعب المصريون في ظل عام واحد من حكم الإخوان بمقدار ما تعبوا على مدى ثلاثين عاماً من حكم الرئيس السابق حسني مبارك. بل إن الفارق الجوهري والمركزي بين الحكمين هو أن الثاني أمّن الاستقرار ونشر الفساد، في حين أن الأول المؤدلج قضى على الاثنين معاً: اهتز الاستقرار الأمني حرفياً، وانعطبت الحركة الاقتصادية إلى حدود رسوخ الفساد عند أصحابه من دون مريدين جُدد!
وأياً تكن الأرقام والنسب، فإن معظم المراقبين المحليين والآتين من خارج، يفترضون أن مصر انتهت من مرحلة الثورة ودخلت في مرحلة عودة الدولة بكامل فعالياتها. كما يفترضون أن التحديات التي ستواجه حكم السيسي لن تكون سهلة وخصوصاً في عامه الأول.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.