8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

السيسي يختصر الحدث المصري

لا تعطي مصر الذاهبة إلى الانتخابات الرئاسية غداً إلا مكنونها وظاهرها: أكبر من أن يختصرها تيار ظلامي ببرنامجه وأوسع من أن يحتكرها برنامج أهازيج مبنية على صورة ومثال أحد أبرز قادتها التاريخيين حتى ولو كان اسمه جمال عبد الناصر.
والحال أن القاهرة تبدو على موعد مع استفتاء أكثر مما هي على موعد مع انتخابات تقليدية. بحيث أن المشير عبد الفتاح السيسي يختصر الحدث من أوله إلى آخره بعد أن تحول بسرعة قياسية إلى رمز فعلي لكل الحراك الذي هدر في وجه الإخوان المسلمين رفضاً لخطف مصر إلى برنامجهم وبيانهم وخطابهم وممارساتهم.
واضح وشفاف برنامج المصريين وهو الأمر الذي لم ينتبه إليه الإخوان تماماً حين قدموا أداء مبنياً على أجندة مزدوجة: واحدة علنية وأخرى مغمورة ومطمورة، لكن في الخلاصتين بدوا كأنهم داخلون على أرض بكر لم يسبقهم إليها مبشّر ولا نذير. وأظهروا في عام واحد شهية استئثارية تختصر ثمانين عاماً من الدأب والانتظار... وحاولوا أن يقدموا بديلاً تنظيمياً عن تدين فطري ومكتسب عمره من عمر الرسالات ذاتها.
انكشافهم سبّب الثورة عليهم التي تلقفها الجيش وبنى على أساساتها عمارته الإنقاذية. وأمر البناء هذا بدا بسيطاً وشديد الانسياب في دولة تضم 86 مليون مواطن وتحتاج إلى أكثر من 300 مليون رغيف خبز كلما قدحت الشمس نورها فوق يوم جديد، ومشكلاتها أعقد بكثير من وصفات البنك الدولي وأكبر بما لا يُقاس من المساعدات السنوية التي تقدمها واشنطن. الانتخاب ـ الاستفتاء هو بهذا المعنى تتويج لمسار ديموقراطي وليس تغطية لهوس إنقلابي. لا يمكن أحد أن يدعي أن حكم الإخوان سقط بالدبابات والرصاص. صحيح أنه جاء نتيجة صناديق الاقتراع، لكنه سقط أيضاً نتيجة حركة اقتراعية شارعية كاسحة، لم تشهد مصر في كل تاريخها مثيلاً لها. صوّت المصريون بأقدامهم قبل أن يضعوا أوراقهم في صناديق الاقتراع. الجيش واكب نبض الشارع ولم يصنعه أو يفبركه. وهذا الشارع هو تماماً الفيصل البتار بين المنطق والافتراء المتجني: الناخبون يصوتون لإعادة ثورة 25 يناير من أسر التنظيم الأصولي الذي، للمفارقة، رد ويرد بتوسل العنف، أو بالأحرى، بالعودة إلى اعتماد برنامجه المضمر والمخبوء في العتم والذي لا يتناسب مع وضوح الحياة في المحروسة.
والواقع هو أن لا مفاجآت مرتقبة في هذه الانتخابات. لا تعني صورة عبد الناصر في برنامج حمدين صباحي الكثير في السياسة الراهنة ولا في التحديات التنموية والمطلبية والمعيشية الفظيعة التي تواجه المصريين... قد تحرك عندهم ولديهم مشاعر الود والاحترام وتعيد استحضار السيرة الطيبة لذلك الرجل الاستثنائي في تاريخ مصر والمنطقة، لكن ليس أكثر من ذلك. فهي بالتأكيد لا تجيب على أي سؤال ولا تقدم أي حل لأي مشكلة.
الإخوان عنيفون انقلابيون وصباحي وأتباعه حالمون، في حين تحتاج مصر في المقابل إلى حزم أمني تحت سقف دستورها وقوانينها وسلامها ولذلك تذهب إلى قوننة وشرعنة التحّول الجاري. وهي وفوق ذلك تحتاج إلى الكثير من الواقعية لمقاربة التحديات بما يليق بها وينتج حلولاً لها.
ما فعله ويفعله المشير السيسي هو مقاربة هموم المصريين كما هي: لم يبخّس من شأنها وخطورتها لكنه في المقابل لم يقل أنه يملك عصا موسى ولم يعتمد لغة شعبوية ظرفية وواهمة وحالمة، بل طرح أجزاء من برنامج تنموي شرطه الاستقرار والتصدي للإرهاب والقطع مع تنظيماته الظلامية واعتبارها خارج السياق الأساسي.
قال لي سائق التاكسي الذي نقلنا أنا وزميلي يوسف بزي من المطار إن ما شهدته مصر أبان حكم مرسي ذكّر المصريين بما كان يجري في لبنان. شكرته (طبعاً!) لكنه لم يسمعني، بل أردف مستدركاً بعمق الفطرة البسيطة: أين نحن من لبنان. لو حصل لا سمح الله واستمرت حالة العنف، لتشظّت مصر وخربت دنيا العرب من أولها إلى آخرها!
لذلك الوعي البديهي يأتي المشير السيسي كجواب حاسم على أسئلة القلق الأمنية والمعيشية الكبيرة. وهو على أي حال، وللمرة الأولى منذ انتهاء حقبة عبد الناصر، يعيد طرح دور مصر الإقليمي على الملأ. ويقول بوضوح إن أمنها لا يقتصر على حدودها الوطنية، إنما يتصل بالمدار الإقليمي المباشر والبعيد على حد سواء: ما يحصل في ليبيا يمسّ الأمن المصري مثلما تمسّه العمليات الإرهابية في سيناء. وأي تهديد لأي دولة في الخليج العربي سيُنظر إليه باعتباره تهديداً لمصر وكيانها.
.. اعتباراً من الاثنين، ستدخل مصر في عصر المشير السيسي. والمصريون سلفاً، قالوا نعم كبيرة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00