على هدوئه وثقته بلبنان واللبنانيين، وعلى وعيه التام بالطبيعة الأولى للكيان الوطني وأهله، وعلى ثباته عند مسلماته التي رافقته طوال سنوات عمره الوظيفي في الجيش ثم في قيادته ثم في رئاسة الجمهورية، يحضر فخامة العماد ميشال سليمان الى محدثيه وزواره. حضوره الآسر لا يلغي التقاطه أدق التفاصيل، والاسترسال عنده لا يعني إغفال فاصلة واردة من جملة مكتملة، أو كلمة في غير مكانها أو مصطلح لا يركب في موضعه. واضح بقدر ما يقتضيه المقام. مبهم بقدر ما تقتضيه متطلبات المسؤولية. هادئ لا تستفزّه كلمة طائشة أو استعارة (لا بد منها) لبعض أدبيات السياسة الراهنة. لكن عندما يقرر يعرف تماماً كيف يلقي موقفه ويختصر في كلمة أو كلمتين الرد الذي يود تظهيره.
لا تعني الرئاسة الأولى بالنسبة إليه إلا المسؤولية العامة. ليس رئيساً لفئة من اللبنانيين من دون فئة، ولا طرفاً سلبياً يميل إلى البعض على حساب الآخر، ولا يبدو أنه يهتم كثيراً أو قليلاً لمحاولات تصنيفه أو إعطائه علامات أو شهادات أو أرقام عن نسب من يمثّلهم. هو بالمعنى الدستوري الوطني الدقيق والعام، أكبر من تلك التوليفات ولا يستطيع من يستمع إليه إلا أن يخرج بكل تلك الانطباعات.
لا تسمع منه كلمة واحدة نابية، لا قصداً ولا عفواً، ولا مواقف نافرة في أي شأن سياسي أو قضية مطروحة. كأنه بذلك يعرف تماماً أن اللبنانيين لديهم ما يكفي ويفيض من أسباب الانقسام. وليس من مهام رئيس الجمهورية أن يضيف أسباباً أخرى إليها. كما ليس من مهامه أن يُسعّر النار إن وجدت بل إطفاؤها وترميدها حتى آخر نفس.
يريح من يجلس أمامه ويُعدي بإطمئنانه وتفاؤله ونياته الطيبة من يستمع إليه حتى لو كان من صنف المتشائمين الأبديين. في حديثه الىالمستقبل استفاض في عرض عموميات موقفه من كل شأن سئل عنه. وتفادى أكثر من مرة، بلباقة، مطبات الاصطفاف العشوائي.. إلا باتجاه المصلحة الوطنية العليا.
وهذا نص الحديث:
[المنطقة تعيش حراكاً غير مسبوق منذ فترة، كيف تقرأون ذلك في ظل ما يجري حولنا؟.
ـ مظاهر العولمة في العالم، بدأت من خلال المواد الاستهلاكية، لكن اليوم العولمة تمتد الى مجالات لا يمكن التنبؤ بها وهي متجددة دائماً، سواء كانت سلعة أو خبراً أو نكتة، وبالتالي باتت منتشرة عند الجميع، والأكيد أنه في مجال الفكر السياسي سيكون هناك انتشار بفعل العولمة والتعددية.
[ما علاقة الربيع العربي بالعولمة؟.
ـ إن الربيع العربي والعولمة ناتجان عن التطور التكنولوجي والذي بات سريعاً بشكل رهيب، فمثلاً حين تم اختراع الراديو الترانزستور على أبواب الحرب العالمية الثانية زاد منسوب الحرية الفردية للناس بشكل كبير جداً، لأنهم باتوا على تواصل مباشر مع الخطابات السياسية ومواقف رؤساء الدول والمرجعيات الدينية، في حين أنه قبل هذه المرحلة كان التواصل يتم من خلال وسيط، سواء كان الزعيم أو كبير العائلة أو قائد الفرقة والذي كان وحده يهتم بإيصال المعلومة للناس، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو أحداثاً عالمية أو اختراعات حتى. مع الراديو بات الفلاح والعامل والعسكري يتلقى المعلومة مباشرة. وإذا أردنا المقارنة بين تأثير الراديو حينها وبين تأثير وسائل التكونولوجيا والمعلومات اليوم، نجد أن ما يحدث شيء رهيب جداً، والأكيد أن التطور لا بد أن يلحق بكل وجوه الحياة والنظم السياسية والمالية والاجتماعية، إذ لا يمكن أن تبقى على ما هي عليه.
[هل ترى أن الربيع العربي هو تتمة منطقية لهذا التطور بحيث لا يمكن العودة الى الوراء؟
ـ الربيع العربي هو مصطلح الهدف منه المطالبة بالديموقراطية، وأعتقد أنه سيكون هناك ربيع أوروبي وأميركي، يتناول ربما مواضيع أخرى هي على جدول هذه الدول والشعوب التي باتت أفضلية بالنسبة لها. وبالتالي الأفضلية في العالم العربي هي تعميم الديموقراطية، لذلك يحصل الربيع؛ بالتالي من الطبيعي أن تحصل تطورات في العالم، وقد سبق لنا أن شهدناها في الولايات المتحدة وأوروبا وستبقى موجودة بوجوه مختلفة، قد تتناول مواضيع اجتماعية واقتصادية ومواضيع الطاقة النووية. ولا يجب أن ننسى أن هناك تحركات لمواجهة معامل الطاقة النووية، وهناك مواضيع أخرى ستكون سبباً للتحرك الذي يشهده العالم وهذا ناتج عن التطور التكنولوجي والتقني.
[هل أنتم متخوفون مما يحصل حولنا في الربيع العربي وانعكاسه على النسيج الوطني اللبناني كما يردد البعض؟.
ـ أريد أن أسأل أليس نحن من يتسبب بالأحداث؟ أنا أقول إننا نملك حصانة كبيرة في نظامنا، وهذه الحصانة أو المظلة التي أرساها الطائف على لبنان ظهرت أهميتها خلال الشهور الماضية من خلال الاستقرار الذي يسود البلاد. إذا أراد اللبنانيون تخريب الاستقرار فباستطاعتهم ذلك، لكننا نملك الفرصة والمجال لحماية هذا الاستقرار وتحصينه كي نحصد إيجابيات أكثر، وبالتالي فالأمور تعود لنا، ولو أن الحريق قربنا يؤثر علينا، لكن يمكننا إطفاؤه إذا رفضنا أن يمتد إلينا، أو حين تصيبنا شرارة منه لا تتسع، تماماً كما حصل في أحداث طرابلس التي أظهرت أن لا أحد يريد إشعال الوضع في طرابلس ولذلك حين بدأت الأحداث سرعان ما انطفأت، والأفضل أن نستمر في ترقب عدم امتداد الحرائق.
[لكن البعض يحذر من أنه حين تنتهي الأحداث في سوريا ستمتد الى شمال لبنان؟.
ـ الجواب بالنسبة لي هو نفسه. اللبنانيون يملكون كنزاً، إما أن تكون لهم الإرادة في المحافظة عليه وزيادته أو أن يفرّطوا به. النظام اللبناني في مرحلة تاريخية في العالم، وهو نظام صالح إذا تمت ممارسته برقي وشفافية ووطنية، ولا نحتاج لذلك سوى النيات الحسنة والممارسة الجيدة، أنا أضمن للبنانيين أنه لن يحصل أي تطورات سلبية، وأعتقد أن هذه النية موجودة عند معظم اللبنانيين والتعبير عنها أحياناً يكون خطأ، والممارسة اليومية يشوبها أحياناً بعض الأخطاء لكن في الإجمال لا أعتقد أن أحداً يريد التفريط بالنظام الديموقراطي في لبنان أو في استقرار البلاد.
[حصلت دعوات خلال الأيام الماضية لحوار تحت سقف الدولة، لكن ردود الفعل على هذه الدعوات لم تكن وفق الآمال المعقودة عليها، هناك عنوان مطروح بأننا نريد حواراً تحت سقف الدولة ومن أجل بناء الدولة، وهناك منطق آخر يقول إن السلاح يجب أن يبقى وأن الحوار يجب أن يتم وفقاً لشروطنا، ما هي مقاربتكم لهذين الطرحين؟.
ـ دعوت الجميع الى الحوار ووضعت العنوان. قلت إننا نلتقي ونتحاور لبحث الاستراتيجية الدفاعية التي سبق أن تم طرحها على طاولة الحوار السابقة، التي نعود ونكررها في البيانات الوزارية منذ أن تسلمت مهامي وحتى الآن لمناقشة الاستراتيجية الدفاعية، أي للإفادة من المقاومة ومناقشة موضوع السلاح من الزوايا الثلاث: الزاوية الأولى هي تنفيذ ما سبق واتفق عليه في شأن السلاح الفلسطيني، وثانياً كيفية الاستفادة من سلاح المقاومة للدفاع عن لبنان، ووضع استراتيجية دفاعية تجيب عن الأسئلة التالية: متى نستخدم هذا السلاح وأين وكيف ولماذا نستخدمه؟. ثالثاً السلاح المنتشر في المدن الذي يجب أن لا يرتبط بموضوع الاستراتيجية الدفاعية ويجب أن يُنزع، هذه هي المواضيع الأساسية للحوار الذي أدعو إليها. إذاً، الدعوة للحوار حول هذه النقاط التي تثير جدلاً وكل موضوع آخر يُطرح على الطاولة فليكن إذا قبل المتحاورون بمناقشته. وهذا ليس ممنوعاً فليأتِ جميع الأطراف للحوار، وأي أمر يُطرح على الطاولة يمكن مناقشته إذا قبل المجتمعون بذلك، وفي حال رفضوا معنى ذلك أن النقاش لن يكون مجدياً. فمثلاً إذا قلت إنني أريد طرح موضوع الطائفية السياسية ولم يقبل بمناقشة هذا الأمر نصف الموجودين على الطاولة، فهذا معناه إذا طرحنا الموضوع لن يجدي نفعاً. المهم هو القبول بإيجاد إرادة لحل هذه المواضيع.
[هل ترون أن هناك إمكانية لانطلاق الحوار في ظل الجدال السياسي الحاصل في البلاد؟ أليس هناك أزمة ثقة عميقة بين الناس؟.
ـ لا أعتقد أن هناك خلافاً عميقاً بين اللبنانيين حيال البنود التي يجب أن تناقش، لكن طريقة الطرح يكون فيها أحياناً نوع من التحدي.
[هل لديكم أفكار معينة يمكن أن تشجع قوى 14 و8 آذار للإجتماع حول طاولة الحوار؟.
ـ الدعوة هي للبحث في الاستراتيجية الدفاعية وبعدها يمكن البحث في كل المواضيع، طبعاً لدي طروحات لتفعيل الحوار، ومعظم اللبنانيين يناقشون النقاط التي يختلفون عليها، وطرق تفعيل الحوار أمر أبحثه بشكل أسبوعي مع مجموعة من المثقفين والخبراء، وأنا حريص على مواكبة طروحاتهم دائماً، فنقاط الخلاف معروفة ولدينا الكثير من الأفكار لمقاربتها.
[فخامة الرئيس منذ بداية عهدك راهنت على حكومة وحدة وطنية ثم أُسقطت، ثم راهنت على السين ـ سين وأسقط أيضاً ثم راهنت على الحوار وأسقط أيضاً، واللبنانيون يعرفون من أسقط هذا الحوار، على ماذا تراهن اليوم؟.
ـ أملي الأساسي هو في نظامنا اللبناني الذي ظهر أنه متين، ولا يجب أن ننسى أنه مرت ظروف صعبة على البلاد منذ العام 2004 وحتى الآن على الأقل، وتبين أيضاً أننا نملك مؤسسة مهمة جداً هي الجيش اللبناني، الذي برهن ان تعاطيه مع الشؤون الوطنية كان على مستوى عال جداً من الحضارة والديموقراطية، وهذا يعني انها مؤسسة مهمة في ظل الاحداث التي تجري حولنا. كما أننا نملك نظاماً مالياً يجب تحصينه، وأيضاً نظامنا السياسي التعددي الذي يؤمن الشراكة في إدارة الشأن العام بين كل اللبنانيين، بصرف النظر عن العدد وهذا برأيي يشكل غنى كبيراً بالنسبة للنظم الديموقراطية، وهذا ما أقول أنه سيكون مثار اهتمام دول العالم في المرحلة المقبلة، ولحسن الحظ أننا نملكه والمطلوب منا هو تحصين ما نملكه، أي تحصين الجيش وحمايته وتطبيق الديموقراطية بشكل صحيح في نظامنا السياسي، وكذلك الأمر بالنسبة لنظامنا المالي وتطويره في الاتجاه الصحيح.
[فخامة الرئيس تدعون للحوار الوطني بين أطراف متشظية وفي ظل أزمة حكومية وتطاول غير مسبوق على مقام رئاسة الجمهورية، أليس من الأجدى حل الأزمة الحكومية التي يمثل أعضاءها طرف سياسي واحد؟.
ـ الحكومة ليست من طرف سياسي واحد، وهذا الأمر ظهر جلياً في مواضيع عدة وملفات طرحت، صحيح أنها لا تجمع كل الأطراف اللبنانيين، لكن يمكن تسميتها بأنها حكومة تضم قوى 8 آذار ومستقلين، ولا يجب أن ننسى أن رئيس الحكومة ليس من قوى 8 آذار، وبالتالي هي ليست حكومة الطرف الواحد. وهذا الأمر ينطبق على أدائها حيث برهنت أنها لا تمثل طرفاً واحداً. التطاول لا يمكن ربطه بتركيبة الحكومة، يمكن التطاول على الحكومة ورئيس الجمهورية من دون أن يكون المتطاول مشتركاً في بنية الحكومة. التطاول لا تفسير له. يجب أن تكون ثمة أخلاق سياسية وأن يتوخى النقد التحسين والانتاج وليس التشهير والمبارزة والتعطيل، على كل حال ماشي الحال، ويبدو أننا لم نتعود على بعضنا البعض، فبعد العام 2008 بتنا ندير أمورنا بأنفسنا وبدأنا نشعر أننا غير معتادين العمل سوياً بشكل صحيح. وأتت ظروف صعبة أحاطت بالبلد وحوله وهذا ما ساهم في عدم التطور والتقدم. وأعتقد اننا نستعيد تدريجياً كيفية ممارسة الديموقراطية الحقيقية. الديموقراطية ليست فقط انتخابات بل هي كيف نضحي بأفكارنا الشخصية من أجل طروحات أفضل، ويكون لدينا استعداد وفرح بقبول فكرة الآخرين تكون لمصلحة الوطن. الديموقراطية هي قبول الآخر بالرأي والشكل واللباس والفكر السياسي والفرح بقبول فكرة الآخر حين تكون لصالح الوطن.
[إذا ترجمنا ما تقوله فخامة الرئيس، من موضوع طاولة الحوار والتطاول على مقام رئاسة الجمهورية مروراً بفكرة ان هناك وزيراً لا ينفذ قرار مجلس الوزراء؟.
ـ لا أحد يمكنه التطاول على رئاسة الجمهورية، من يتطاول على رئاسة الجمهورية هو من يتأذى، رئاسة الجمهورية مثل الصخرة تتكسر عليها الأمواج ومن يتطاول عليها هو من يتأذى قبل غيره، لذلك هذا الأمر لا يعني لي شيئاً أبداً. أما في ما يتعلق بأداء الوزراء فالقانون والدستور حددا آلية عمل مجلس الوزراء، وحين يحصل تصويت فالوزير مُلزم بتنفيذ قرار مجلس الوزراء، وإذا لم ينفذ عليه أن يمتلك حجة، وإلا عليه أن يستقيل. إما أن تنفذ قرار مجلس الوزراء أو تستقيل. في موضوع الأزمة الحكومية المستغرب ويدفعني للتوقف عنده، وقد تكلمت مع الوزير شربل نحاس في هذا الموضوع، هو أن المرسوم يقر بحق العمال أعطاهم إياه العرف طيلة 16 عاماً، والعرف هو بمنزلة القانون في كل دول العالم، وإذا قرر مجلس الوزراء إعطاء العمال حقوقهم بشكل مؤقت بموجب مرسوم وفي الوقت نفسه قرر إعداد قانون لسد الثغرة الموجودة في القانون الحالي ليصبح المرسوم قانونياً، وبالتالي إذا اعترفنا بوجود ثغرة نعمل على سدها، فكيف لا أقبل الاعتراف بحق هؤلاء العمال؟ يعني ما بتركب معي أن أقبل بمشروع قانون لسد هذه الثغرة، وفي نفس الوقت لا أقبل بإعطاء العمال حقهم إمتداداً لعرف وبقرار من مجلس الوزراء. هنا وجهات النظر المختلف عليها ولكن آمل أن تنتهي هذه المشكلة بشكل إيجابي، وبتفهم من الوزير صاحب العلاقة لحقوق العمال.
[فخامة الرئيس، المواطنون مصدومون من طريقة التعاطي مع ملف الأجور والنقل والذي يتداول به منذ أشهر، ما هي الضمانات لكي لا يتكرر هذا الأمر كي يحصل الناس على حقوقهم في الملفات المعيشية الأخرى؟.
ـ الضمانة هي الناس والمحاسبة، الناس عليهم أن يحاسبوا القيمين على شؤونهم العامة. عليهم الإنصات الى الكلام الجيد وتقبله ورفض الكلام السيئ، أيضاً تقبل القرار الجيد ومواجهة القرار السيئ. وأن لا تكتفي بالسير خلف آراء محددة وتعتبرها منزلة لأنها صادرة عن جهة معينة، وترفض أي آراء تقولها جهة أخرى فقط لأنها ليست من تيارها السياسي. للأسف هذا يفتح على نقاش قانون الانتخاب الحالي الذي أدى إلى هذه النتائج. قانون العام 2009 كان صالحاً ربما عند تأسيس دولة لبنان ولكنه اليوم بات يفرز متاريس في المواقف، ويصبح المسؤول السياسي مقبولاً مهما فعل أو كيفما تصرف لأنه ينتمي أو يمثل فئة سياسية لا بل مذهبية، ويتم رفض الآخر لأنه لا ينتمي الى فئة سياسية محددة، علماً أن المشكلة موجودة عند الفئتين.
[بهذا المعنى أن المحاسبة يجب أن تتم في صناديق الاقتراع؟.
ـ نعم في صناديق الاقتراع وأيضاً في التعبير. هناك ربيع أوروبي يحصل وربما يمتد الربيع الى لبنان. لا أحد يشكو من تداول سلطة وديموقراطية في لبنان، ولكن هناك حقوق الناس وكيفية التعاطي مع الشأن العام يمكن أن تولد ربيعاً في لبنان طابعه اجتماعي.
[هل تدعو الى ربيع لبناني؟.
ـ لا أدعو الى ربيع لبناني، بل أدعو للمحاسبة في كل الأماكن، في مراكز الاقتراع وفي حرية التعبير والكلام الواضح ومجابهة المسؤولين ومواجهتهم بالحقيقة.
[هل أنت مرتاح لأداء هذه الحكومة التي باتت رائحتها مازوت؟.
ـ السؤال ليس سهلاً، فمن يعمل في الشأن السياسي لا يرتاح إذا كان يملك ضميراً ورأياً متجرداً. يا للأسف لا يستطيع أن يحقق واحد بالمئة مما يطمح إليه. في المقابل لا يمكن القول إن هذه الحكومة رائحتها مازوت، هناك تحقيقات تجري وننتظر الأمور والنتائج بهدوء وبعيداً عن الميكروفونات.
[هل تتوقع أن يعاود مجلس الوزراء اجتماعاته قريباً، خصوصاً بعد الحديث عن نتائج إيجابية في لقاء الرئيس نبيه بري والجنرال ميشال عون؟.
ـ أكيد يجب أن تعاود الحكومة اجتماعاتها، لا يجوز أن يبقى الأمر على هذا النحو، لا أريد التعليق على اجتماع الرئيس نبيه بري مع الجنرال ميشال عون، ولم أطلع من الرئيس بري على تفاصيل الاجتماع الذي عقده، لكن معاودة اجتماعات مجلس الوزراء ستحصل بالتأكيد قريباً ووفق الأصول وانتظام العمل الحكومي.
[هناك من يقول إن كل ما حصل من أزمة حكومية هو لتمرير التمديد للمحكمة الدولية؟.
ـ لا علاقة للتمديد للمحكمة بالأزمة الحكومية. كما أريد أن ألفت الى أن عبارة تعليق جلسات مجلس الوزراء ليست قانونية، ما حصل هو أنه تمت المطالبة بتأجيل البند الذي كنا نناقشه، ولم يتم التصويت عليه، وكنا نسعى لعدم التأجيل، في هذه الأثناء حصلت محاولة تعطيل النصاب ورفعنا الجلسة.
[ ما تعليقكم على الانتقادات التي وجهت بشأن جزئية أخذ العلم بقرار الأمم المتحدة المتعلق بتمديد عمل المحكمة والقضاة العاملين فيها؟.
ـ أصدر مجلس الأمن المحكمة تحت الفصل السابع لثلاث سنوات، على أن تُمدد لفترة إضافية يقررها مجلس الأمن بالتشاور مع الحكومة اللبنانية. الجدال في لبنان ليس على مدة التمديد والسؤال هو عن هذه المدة، لذلك لم تتم الإجابة عن الكتاب.
[هل يمكن أن تعقد جلسة لمجلس الوزراء قبل سفرك الى رومانيا؟.
ـ إن شاء الله ممكن جداً. إذا ما عقدت هذا الأسبوع، فالأسبوع الذي يليه.
[من الالتباسات حول الوضع الحكومي وموقفها من الوضع في سوريا مواقف هذه الحكومة في الجامعة العربية. فالموقف المعلن للحكومة اللبنانية هو النأي بالنفس، ولكن الموقف الفعلي كما تبين في الأسبوعين الأخيرين في اجتماع الجامعة العربية هو تحفظ لبنان عن القرار العربي وخروجه عن الإجماع. كيف تفسرون ذلك؟.
ـ سبق واعترضت الحكومة على قرار سابق للجامعة العربية، عندما تناول قرارها موضوع تعليق عضوية سوريا والتمثيل الديبلوماسي معها وترك الموضوع للدول حسب وضعها الجغرافي. نحن اعترضنا أكيد لأن ثمة تجربة سابقة في لبنان تتعلق بمبدأ الإجماع في القرارات العربية، عندما جاؤوا ليشكلوا محكمة عربية دولية تستند الى الشرع الإسلامي، لبنان وحده عارضها لذلك لم يستمروا بطرحها لأن لبنان عارضها. من هذا المنطلق نحن كبلد له خصوصية لا نوافق على تدابير من هذا النوع تعزل أي بلد عربي. هذا سبب، وهناك أيضاً الوضع المميز لبلدنا مع سوريا. وكذلك وضعنا مختلف عن الأردن حتى. لا يمكن أن ننسى أن سياسة الدولة تقررها الجغرافيا السياسية لهذه الدولة. نحن عندنا جارة وحيدة هي سوريا، فأي بلد عربي عنده جيران، ولكن نحن عندنا جارة واحدة فقط. هذه العلاقة انعكست على طبيعة العلاقات الاجتماعية بين لبنان وسوريا، وكذلك على المواقف السياسية في لبنان. ولذلك عندما اعترضنا على ذلك القرار، كان من الطبيعي أن نتحفظ على القرار الثاني باعتباره يستعيد القرار السابق ويشدد على قطع أي تعاون ديبلوماسي مع سوريا. ولذلك قلت في الجامعة اللبنانية في طرابلس إننا ضد عزل الدول العربية باعتبار أن ذلك يؤدي الى عزل الشعب. ولهذا السبب تحفظنا.
[ولكن سياسة النأي يُفترض أن تكون مترجمة من خلال الرسميين اللبنانيين وأصحاب القرار؟.
ـ القرارات التي اتخذت لغاية اليوم هي لصالح لبنان، ولتجنيبه الضرر مبدئياً. هذا القرار طبيعي أن نتخذه لأن نصف اللبنانيين مع اتجاه المعارضة في سوريا والنصف الآخر مع النظام. هناك روابط لا يمكن تجاوزها.
[بعيداً عن الحكومة، خطابكم فخامة الرئيس منذ خمسة شهور تقريباً ولغاية اليوم مع تأييد حق الشعوب...؟
ـ هذا مؤكد، ولا أزال مع الديموقراطية وتداول السلطة في سوريا وفي أي بلد قريب لأن في ذلك فرصة أساسية للبنان ليمارس ديموقراطيته بشكل صحيح ويتألق. خصوصاً عندما تصبح الأنظمة المحيطة بنا تشبهنا. لكن في المقابل ما دام الغرب ينظر بطريقة مختلفة الى قضية فلسطين، مقارنة مع نظرته الى مصر والأردن واليمن وليبيا، ستبقى الديموقراطية غير التي ننشدها. إسرائيل تحتل وتقمع وتمنع انتساب فلسطين الى الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ألا يحق لنا أن نسأل لماذا؟. بالأمس اتخذوا قراراً ضد سوريا تؤيده 137 دولة، في المقابل فلسطين عندها تقريبا 131 دولة تؤيد انتظامها في الجمعية العمومية. أين هذه الديموقراطية إذن، تلك التي تسمح بإزالة معالم القدس والقتل والقصف. أين الديموقراطية التي لا تعطي الحق لمواطن بهويته وأرضه؟. لذلك نحن مع الديموقراطية الحقيقية التي ستؤدي الى تداول السلطة.
[ما توصيفكم الدقيق لما يحصل في سوريا؟ هل هو نتيجة للعولمة أو للربيع العربي أو مجرد مشكلة مع عصابات مسلحة؟.
ـ موجة العولمة المطالبة بالديموقراطية لها مظهر واحد. ثمة مطالب بالتغيير السياسي. أعتقد أن جميع السوريين ينشدون الديموقراطية. منهم من يريدها من خلال إسقاط النظام الحالي، منهم من هو مع العنف، ومنهم من يؤيد النظام من دون عنف وهناك من هو متمسك بالنظام. الأكيد أن كل الشعب السوري بكل مذاهبه وطوائفه يتطلع الى الديموقراطية الحقيقية. ما أعرفه أنه يجب أن يتوقف العنف، وليذهب الجميع الى الحوار، والسير بالإصلاحات الحقيقة في ظل ظروف مؤاتية، ولنترك للسوريين أنفسهم تقرير مصيرهم.
[هل تعتقد أن تحقيق هذه الخطوة ما زال ممكناً؟.
ـ إقفال الطرق أمام الحوار يقود الى الحرب.
[انطلاقاً من حرصكم على أنظمة ديموقراطية من حولنا وخصوصاً في سوريا، هناك نظرية يتبناها بعض القوى السياسية في لبنان، ومفادها أن التغيير في سوريا سيؤثر سلباً على الأقليات في سوريا ولبنان معاً. ما هي مقاربتكم لهذا الموضوع، والمقصود هنا الأقليات المسيحية؟
ـ ما عنيته بارتداد الوضع على لبنان، كنت أقصد به عدم ارتداده على الأقليات. يجب أن نتجاوز هذا الهاجس وليخرج البعض منه، وبالتالي يجب أن نبني تفكيرنا على المواطنة وليس على الأقليات. القلق والخوف موجودان نظراً لما حصل في العراق، ومن ثم في مصر. ولكن المهم أننا في لبنان نموذج خاص وعلينا أن نحصن النظام الذي يميزنا. الخوف يأتي دائماً من السياسة، وأبداً ليس من الطوائف. مطالب الربيع العربي هي سياسية وليست طائفية، ولكن مظاهرها تترك بعض الارتدادات. نحن لا مطلب سياسياً عندنا. جميع اللبنانيين ارتضوا الطائف. قد تكون هناك مطالبات بتعديل صلاحيات، ولكن لا طلب بإلغاء الطائف أو تغييره.
[لكن النائب وليد جنبلاط دعا الى طائف سني ـ شيعي؟.
ـ هو صحح هذا الكلام موضحاً بأنه يقصد الحوار. فالطائف مبني على الحوار.
[نفهم من كلامكم قبل قليل أن لا قرار سياسياً بتوتير الأوضاع في الشمال؟.
ـ لم أقل ليس هناك قرار، وإنما عنيت بأن لبنان غير واقع في خلاف أو تداعيات كما يحصل في دول أخرى. بل على العكس هناك قرار بعدم التوتير.
[لكن لماذا هذا الخوف لدى اللبنانيين من احتمال أن يقود أي حادث الى الدمار؟.
ـ القلق من حسن الفطن وهو مشروع، لكن المهم تلقف الخطر ومعالجته حين نستشعره قبل أن يتمدد.
[هل جاء انتشار الجيش اللبناني نتيجة الاستشعار بالخطر أم نتيجة ما قيل عن لوائح وصلت من السوريين بأسماء بعض الناس؟.
ـ من واجبات الجيش أن يؤمن مراقبة الحدود حين يحصل التوتر.
[هل سيتم ذلك في عرسال مثلاً؟.
ـ في أي مكان يجد الجيش ضرورة لتواجده، ذلك أنه معني بضبط الحدود والأمن في الداخل. ومع الجيش الغطاء السياسي من دون الحاجة الى قرار حكومي لأن الأخير موجود. لكن بالطبع التوجيه من قبلنا موجود أيضاً.
[تحت أي عنوان ستكون جولتكم الخارجية في الـ2012؟
ـ تحت العنوان نفسه. المغتربون هم بمثابة الشرايين التي تصل لبنان بالعالم. هذا الاتصال معهم ضروري، بالإضافة الى أننا في مرحلة ما عدنا نجد فيها دولاً منزوية أو معزولة. ديبلوماسية تبادل الزيارات والتباحث في الأمور ضرورية من أجل تثبيت حضورنا. ونحن حققنا وجودنا عبر عضويتنا في مجلس الأمن، ومهما كانت الانتقادات، كان أداؤنا جيداً وله تأثيره.
[ في ما يخص المرأة اللبنانية ودورها، هل سنشهد انصافاً لها في التعيينات المقبلة، خصوصاً أنكم من أشد المتحمسين لإشراكها في الشأن العام؟.
ـ إشراك المرأة في المراكز الإدارية وارد في الآلية التي تم إقرارها، وأقول إنه يجب أن يكون للمرأة حضور بارز، لكن التعيينات تتم من خلال التصويت، فإذا لم يفلح التصويت بإيصال المرأة سيكون ذلك علامة سيئة وغير إيجابية في تاريخ اللبنانيين وأدائهم، لأننا نتغنى بدور المرأة، وهي تتمتع باحترام وأثبتت فعاليتها في محطات عدة، ولكن لم يترجم دورها بعد في السياسة. هنا أقول إن الحق ليس على المرأة بل على السياسة التي لم تعطها دورها، هناك من يقول إن المرأة اللبنانية لم تعرف كيف تأخذ دورها، وأنا أقول إن السياسة هي المشكلة وقانون الانتخاب هو المشكلة، وهما اللذان استبعدا المرأة، فالعطل موجود فيهما وليس في المرأة.
سؤال أخير. نقرأ في الصحف بين فينة وأخرى أن رئيس الجمهورية ميشال سليمان لا يمثل المسيحيين وأن غيره من يمثلهم خير تمثيل ويعبر عن مصالحم. ما رأيكم؟
ـ أنا أعبّر عن جميع اللبنانيين وأفتخر بأنني أنتخبت رئيساً من قبل سبعة وتسعين بالمئة من المجلس النيابي، والنواب الذين انتخبوني يمثلون اللبنانيين ولا يزال معظمهم في المجلس الحالي، والتيارات هي بنفس الأحجام، وبالتالي فإما حين انتخبوني كذبوا على الناس وأخلوا بوكالتهم ولم يأتوا بالشخص الذي يريده الناس، أو أنهم كانوا صادقين، فإذا كانوا كذلك فهذا يعني أنني أمثل المسيحيين، وإذا أخلوا فمعنى ذلك أنهم لا هم يمثلون ولا أنا أمثل.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.