عودة الى ويكيليكس. المفردة الموازية لكشف المستور وإصابة العلاقات الديبلوماسية بأضرار لا يُستهان بها.
وهذه المرة من باب بقي موصداً حتى الأمس القريب، حيث أفادت واحدة من أحدث الوثائق السرية الأميركية أن بنيامين نتنياهو قال في اجتماع خاص مع بعض قادة اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة إن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس هو أخطر زعيم عربي وفلسطيني واجهته إسرائيل عبر تاريخها الطويل... إنه يدمّر إسرائيل في محافل دولية عدة ويبني دولته... يجب أن نتخلص من هذا الرجل.
الكلام المذكور قيل بين جدران مغلقة، وفي دائرة أكثر انغلاقاً وشديدة التأثير في السياسة الأميركية، وفي كل شأن يتصل بإسرائيل، كبيراً كان أو صغيراً، لكنه (الكلام) وجد طريقه الى العلن من خلال ذلك الموقع الأسطوري الفضّاح.
أي أنه كان كلاماً جدياً وحقيقياً.. ومنطقياً، وأصدقه كلمة كلمة وحرفاً حرفاً، بل ربما يكون الكلام الأكثر صدقية من بين كل ما نشر من الوثائق الأميركية، إذ من خلاله يؤكد قادة إسرائيل (ومرة أخرى في محافل الجدّ وليس التفنيص الإعلامي) أن أخطار مقاربة النزاع معها بطريقة بعيدة عن ثقافة الصراخ وتكبير الكلام والتهديدات بالمحو والإبادة التي اعتادت (واعتدنا) عليها على مدى العقود الستة الماضية، هي أخطار جدية ومصيرية فعلاً. وأن القادر على اختراق العقل الغربي والمصالح الغربية باللغة المناسبة والأداء الصحيح هو الذي، بمعنى أو بآخر، يأخذ من عدّة شغلها أدوات كثيرة، والأخطر من ذلك أنه يعرف كيف يستخدمها.
التجرؤ على الفصاحة المختلفة في وقت مضى، كان مغامرة أو شبه مغامرة من العيار الحرزان. وكانت المجادلة في شأن آليات ونظريات النزاع مع إسرائيل توصل بأصحابها في بعض الحالات الى أماكن موحشة وغير مأنوسة، وتحيلهم الى أسماء ووجوه موشّاة بدوائر الاشتباه بالخروج عن النصّ الجامع والرأي العام القائل إن ما أخذ بالحديد والنار لا يعود إلا بالحديد والنار.. ضاعت عقود من الثروات البشرية والمادية، وضمُرت مشاريع تنموية أساسية بالغة الحيوية تحت أثقال ورنين تلك السيوف الصوتية البتّارة! لكن لم يُحرّر شبر واحد، بل انتقلنا الى اعتبار مفردة الصمود في حد ذاتها، هدفاً مركزياً بالغ النبل وشديد الفرادة من دون معرفة أو تخيّل مآل ذلك الصمود ومدّته وماذا بعده!
على تركيبة عسكرية متطورة، وصلف آت من ممارسات قروسطية، ومجتمع إسبارطي من أصغره الى أكبره، وتعميم واسع للأسطورة المعهودة عن الذي لا يُقهر، وفي المقابل عجز ميداني لا لُبس فيه، وأوضاع سلطوية شديدة الالتباس تربط وجودها ومصالحها بهدف التحرير العزيز (يغيب هو وتبقى هي!) وتستبدل عجزها بتعلية الصوت واختراع الشعار وتكبير أفعال الوعيد والتهديد.. على كل تلك التركيبة ظلّت إسرائيل في مكانها (المتحرك بإرادتها) وبقي العرب في مكانهم (الجامد بإرادتهم).
لم تنكسر تلك السيبة جزئياً إلا بعد انكسار جزئي لكل ذلك المناخ الصوتي الهادر والعاجز ولم تصل إسرائيل الى لحظات مصيرية فعلية إلا لدى مقاربتها المنطق العربي الآخر القائل إن العرب أصحاب حق وطلاب عدالة (نسبية نعم) وإنهم بذلك ليسوا مفترين ولا معتدين ولا طلاب عسف ونفي وإلغاء وإمحاء!
سيرة طويلة، لكن اختصارها يفيد بأن التطرف الإسرائيلي الفاعل لا يبدو منتشياً إلا بالتطرّف المقابل العاجز، ولا يبدو مُهدداً إلا بذلك المنطق الآخر الذي اعتمده الرئيس الراحل ياسر عرفات ويكمله محمود عباس، ولذا وجب التخلّص منه مثلما تم التخلّص السياسي قبل الجسدي(؟) من سلفه التاريخي.
يبقى أن تكشف ويكيليكس لنا ماذا يقول قادة إسرائيل فعلياً في روّاد إبادتها ومسحها عن وجه الأرض؟!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.