أما وقد انتهينا أو نكاد يا إخوان، من الحرب البلدية الكونية الخاصة بالانتخابات البلدية كما سمّاها علي حمادة، فقد صار بإمكاننا العودة الى الرّك والتركيز وصب جُلّ الاهتمام على القضايا الصغرى وفي مقدمها بطبيعة الحال التهديدات الإسرائيلية التي عادت لتلعلع على وتيرتها البدائية مرة جديدة.
ولا أخفي نوازعي الحقيقية، ودواخلي المغلّفة بألف قناع وستار حيال قصة الانتخابات البلدية برمتها، من أولها وأساسها وكل آليات قياسها، وهي أنه كان من الأفضل لو ضُبطت هذه في سياق أكثر تواضعاً من سياق وضعها تحت خانة الممارسة الديموقراطية، فهذا ولعمري مصطلح فخم ورنّان لا يركب كثيراً أمام حقائق قائمة ما قام الزمان عن العشائر والعائلات والأفخاذ الكريمة والحميمة، وعن التنطح الكئيب نحو الألقاب مهما كانت بائسة ومتواضعة شكلاً ومضموناً.
وعلى أي حال، فإن الحديث هنا يطول كثيراً فيما المقام قصير والزمن طيّار.. لكن طالما آلت هذه الجرصة الى الأفول، فقد عادت إسرائيل لتذكرنا بواقع الحال، وتطلق هذه المرة تهديداً هو الأفصح من نوعه ضد لبنان وحكومته ورئيسها سعد الحريري. وفي هذا معطى مرحلي جديد ما كان واضحاً، كما بان بالأمس، علماً أنه في أساس بنك الأهداف اللبنانية الاستراتيجية التي وضعتها حكومة إسرائيل في سياق الحرب.
وليس جديداً القول إن الحرب اللبنانية من أساسها ومنذ لحظة تفجيرها في العام 1975 من القرن الماضي، إنما كانت تلبية لنظرية كليّة تفيد بأن الرد الوجودي الإسرائيلي على تهديدات العرب والمسلمين لها يكون بتحطيم مثالهم اللبناني، وبجعلهم يتناحرون في إطار كيانات طائفية ومذهبية تنام في نهاية المطاف على مقابرها، وتنعش الكيان الطائفي والمذهبي الأقوى في المنطقة أي إسرائيل نفسها.
وبعد ذلك في التفاصيل القريبة: سبق لإسرائيل أن استهدفت بالقصف في حرب العام 2006 مبنى لا يبعد سوى خطوات قليلة عن بيت آل الحريري في قريطم، ما بدا آنذاك رسالة فاضحة الى سعد الحريري تستنكر فيها حركته الديبلوماسية الدؤوبة في الخارج للجم العدوان وفضح أهدافه.
وبالأمس فلت أحد مسؤولي حكومة نتنياهو بتوعد جديد للحريري في حال تكررت الحرب. والحاصل اليوم كما بالأمس، هو أن إسرائيل لا تقيم وزناً فعلياً وحقيقياً إلا لمن يقارعها في دوائر القرار الغربية، حيث الملعب ملعبها، والساحة ساحتها، والإعلام إعلامها، والتزوير بضاعتها في سوق متلقفة وقابلة: تعترض في الأصل على كل الأداء الديبلوماسي لرئيس حكومتنا، والمضمون السياسي لكلامه أينما حل ووقف، وقدرته على مخاطبة أصحاب القرار في واشنطن وكل عاصمة غربية بلغة تعتبرها إسرائيل أخطر بما لا يقاس من ألف ألف صاروخ.. وتصريح نجّادي!
ربما لا يقدّم ولا يؤخّر في شيء، حديث التسوية والاعتدال العربي الذي حمله سعد الحريري في رحلته الأخيرة الى واشنطن... الحديث المقرون بتمسك لا يصدأ حديده، بالحقوق العربية التاريخية في الأرض والمياه ومصير اللاجئين والدولة الفلسطينية المستقلة ورفض التهديد ولغة الحروب والاجتياحات الجوية والبرية... لكنه حديث يأتي فيما حكومة المجانين في إسرائيل تبني كل سياساتها على خطاب مقابل لا يقل جنوناً، يتوعدها ويتوعدها ويتوعدها، ولا يفعل في نهاية المطاف إلا التفرّج عليها وهي تحصد ثمار الصيف، فيما نحن باقون في صقيع الأوهام ليس إلا.
.. لا يزعجها شيء أكثر من ذلك الحديث، ولا يزعجها مقام أكثر من مشروع إعمار لبنان الذي حمله ونفّذه الرئيس الراحل ويستكمله إبنه من بعده، ولهذا فإن التهديد الإسرائيلي مزدوج: ضد الحريري وكل مشروع العمران اللبناني. على حد سواء.. ولا كلام أفصح بعد ذلك من هذه الحقائق العارية، للرد على هرطقات بعض الممانعين عندنا، والسلام!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.