دلت الحوادث الأخيرة، بين "جبل محسن" و"باب التبانة" في العاصمة الثانية، أنَّ ثمة من يجر العلويين الى ما يشبه الانعزال بالطائفة، والتموضع بعيداً عن المشاركة في بناء دولة السيادة والحرية والاستقلال، وهو المشهد الذي يمكن ملامسته خلال المعارك أو بعيد انتهائها، إذ أن كثيراً من مصالح هذه الطائفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية قد تعطلت داخل العاصمة الثانية، ليصبح "جبل محسن أشبه" بـ"جيب علوي" إنفصالي ومعزول عن هواجس الطوائف الأخرى في مدينة طرابلس ـ لبنان.
وبالطبع فإن هذا المشهد، لا يعكس صورة العلويين اللبنانيين، الذين يؤمنون بأبجدية الـ10452 كيلومتراً مربعاً، ويعيشون هاجس الاستقلال والسيادة والحرية، بعيداً عن سياسة المحاور والأزقة الدولية، التي لن تفيدهم حاضراً أو مستقبلاً، طالما أن لبنان بتكوينه السياسي، يقبل التعددية بكل تلاوينها الدينية والثقافية والسياسية كمصدر قوة لا كعامل ضعف، فالعلويون قدموا الى لبنان وكما تقول الدراسات في القرن الثالث الميلادي، ولم يعترف بهم رسمياً إلا في العام 1936، وهو ما يعني أن مرحلة الاستقلالين 1943 و2005، تعنيان الكثير لهذه الطائفة التي تبقى الأرزة اللبنانية، مصدر إلهام لوجودها، وهي بالتالي لن تسمح بأن ينسل الخيط العلوي من النسيج اللبناني.
ويدرك العلويون المندمجون بالمجتمع الطرابلسي، ذوو الانتماء اللبناني، أن أصحاب المعارك التي خيضت باسم الجبل العلوي ضد أبناء التبانة وسائر المدنيين في طرابلس، إنما كانوا يخوضون معركة "البديل" لا "الأصيل"، لأن حبل سرّتهم لا يزال معلقاً ببطن الأمالنظام السوري، ولم ينسَ العلويون أن الوجود السوري في لبنان، لم يكن إلا ليستخدمهم باسم المذهب الذي ينتمي إليه النظام السوري، فمع بدء الحرب اللبنانية في العام 1975 أنشأ علي عيد "الحزب العربي الديموقراطي"، الذي شارك في المعارك التي شهدها الشمال في العامين 1983 ـ 1984، وخاض مناصروه معارك شرسة الى جانب القوات السورية ضد حركة فتح والتيارات السياسية المناوئة لسوريا، وتوجت هذه التكاملية العدائية، في 19 كانون الأول (ديسمبر) 1986 أثناء مداهمة القوات السورية لمنطقة باب التبانة ومعها جزء من العلويين المحسوبين على الأمن السوري، وكان من نتيجتها مجزرة ذهب ضحيتها أكثر من 900 قتيل بين شباب ونساء وأطفال وشيوخ، لتبدأ بعدها الحروب الصغيرة بين الجبل والتبانة، فلا القوات السورية اعتذرت ولا الذين شاركوا أبدوا رغبة في المصالحة مع إخوتهم وجيرانهم، وهو الأمر الذي أسهم في إبقاء هذا الجرح مفتوحاً، يرش عليه الملح عند كل مفصل سياسي في البلد، يسهم في تعميقه والتهابه، بدلاً من تضميده ومتابعة ثقافة الحياة مع الآخر الطرابلسي.
لقد مارست الوصاية السورية نوعاً من "التعليب والتركيب" للطائفة، خلال حقبة وجودها، فيما أبقت مشاهد الحرمان والفقر واحدة من سمات المناطق العلوية في عكار وجبل محسن، تستخدم ساعة الحشر السياسي للنظام في سوريا، وهذا ما يفسر المعارك الأخيرة في طرابلس، التي تم توقيتها على عقارب ساعة "المرجة" السورية، لا وفقاً لتوقيت ساعة "التل" العثمانية، فأين مبررات الحوادث الأخيرة؟، عندما يردي "قناص الجبل" إمرأة ترتشف فنجان قهوة على شرفة منزلها في محلة الزاهرية أو طفل لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره في محلة باب الرمل، وهل سياسة الجار والجوار، رخيصة الى هذا الحد؟.
لم يعرف مجتمع طرابلس قبل الحرب الأهلية ودخول القوات السورية الى لبنان، التفريق بين ما هو علوي وسني أو مسيحي، فبيوت الله المتنوعة، مزروعة في أحياء المدينة وزواريبها، فيما تتداخل الشراكات التجارية والاقتصادية والمالية والنقابية والعمالية بين أبناء هذه الطوائف، لتصل الى قمتها مع علاقات المصاهرة والتزاوج بين أبناء الطائفتين السنية والعلوية، فالفيحاء قبل الحرب كانت تشبه خيطاناً ملونة عدة تشكل بمجموعها كنزة هي حلة طرابلس التي لم تعرف سواها، إلا أن الخيوط بدأت تنسل مع دخول الجيش السوري "الشقيق"، الذي أجج الوتر المذهبي، على حساب إعادة اللحمة بين الطوائف والمذاهب، فكل محتل أو "مستأثر شقيق" بحقوق الشقيق الأصغر شعاره "فرق تسد"، لقد أرادت الوصاية السورية، أن تبدد الموزاييك اللبناني الجميل عن بعضه البعض، وتحويل كل قطعة فيه الى "جيب مذهبي" يدين بالولاء لها لا للوطن الذي يأكل الجميع من خيرات أرضه ويعيش الجميع تحت سمائه.
بالطبع لن تسمح النخبة من العلويين اللبنانيين من تجار وسياسيين ومثقفين، في أن يتحول جبل محسن الى "جيب علوي" إنفصالي بإرادة "الأزلام"، فلا الجغرافيا ولا الديموغرافيا تسمحان بهذا الأمر، لأن ذلك يعني الموت الاقتصادي والاجتماعي والانتحار السياسي، لطائفة ارتضت لبنان وطناً للحياة، وهذه النخبة من العلويين تشبه علاقتها بسوريا، علاقة الطائفة الأرمنية بأرمينيا، المطبوعة بالـ"نوستالجيا" مع الوطن الأم، مع الاحتفاظ بولاء خالص لدولة لبنان، والذود عن قضاياه وفي مقدمها الاستقلال والسيادة والحرية.
يبقى أن تأطير الحروب الصغيرة في طرابلس، مؤخراً، تحت مسمى "حروب الفقراء"، هي بدعة يجب الإقلاع عنها، ففي عكار هناك الفقر وفي الضنية وفي الهرمل، فلماذا هذه الحرب الطبقية في طرابلس، ضد الفقراء وليس ضد الأغنياء، إن إعطاء اسم "حروب الفقراء" لأحداث طرابلس، تعمية للرأي العام، وتدليس يراد منه إخفاء الكوامن والنوايا المبيتة لأيتام النظام السوري وحلفائه، بهدف استعمالها كمادة سياسية لتأليب الرأي العام العلوي وإثارة نقمته، لمشاريع لا تخدم الداخل اللبناني، بل تستلحق هذا الكيان اللبناني الفريد من نوعه بأنظمة شمولية، لها أجندتها الخاصة ومعادلاتها الحسابية، وبالطبع لن تتطابق حسابات البيدر اللبناني مع حسابات حقل هذه الأنظمة.
(*) صحافي








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.