بين اعلان "نوايا" وكثافة "الدراسات" حول الجدوى الاقتصادية لتشغيل مطار القليعات "رينيه معوض"، وبين الارتجال السياسي والدعسة الناقصة، لا يزال هذا المطار منذ انشائه في ستينات القرن الماضي، يعيش واقع المثل الشعبي "لا معلق ولا مطلق".
واذا كان وزير الأشغال العامة والنقل ياسين جابر قد أعلن خلال جولته الأخيرة الى الشمال، عن التحضير لزيارة مطار القليعات، تمهيداً لاطلاق ورشة العمل فيه، فالسؤال هو: هل ستأخذ الزيارة المرتقبة هذه، الطابع العملي وتتعدى اعلان نوايا تجاه "القليعات"، وتجاه الحرمان الذي تعيشه منطقة عكار والشمال؟، اذ تؤكد الدراسات أن مشروع تطوير مطار القليعات، سيحقق الانماء المتوازن في الشمال، وهو يخدم جملة النشاطات الاقتصادية المختلفة (تجارة، صناعة وسياحة)، ويوفر نحو 6 آلاف وظيفة في سنته الأولى، و21 ألف فرصة عمل في العام 2018.
واذ كانت التبريرات عن أسباب التأخر في افتتاح هذا المطار، يردها البعض الى وجوب توفر مناخات إقليمية ملائمة، فضلاً عن تكلفة المشروع المرتفعة، فإن الوزير جابر يؤكد اليوم، أن مطار القليعات سيشغل قريباً، وأن فريقاً فنياً من الوزارة، قد كشف ميدانياً على المطار الأربعاء الماضي.
وقال في اتصال مع "المستقبل"، إن الوزارة تجري الآن مفاوضات مع شركات طيران، طلبت اثنتان منهما فتح أكاديمية لتعليم الطيران، وأخرى لصيانة الطيران.
وأكد أن المطار بحال جهوزية لتشغيله، كما تؤكد ذلك دراسات ميدانية عدة موجودة لدى الوزارة وتقارير الطيران المدني، وقد كانت مهمة الفريق الفني، الاطلاع على التجهيزات المطلوبة للاسراع بفتح المطار، وأن التقرير الذي سيرفعه الفريق سيرفع بدوره الى مجلس الوزراء".
ولفت الى امكان انشاء مناطق حرة ومناطق صناعية وتجارية، وتوقع جابر الموافقة على تمويل تكاليف التجهيزات، وهي عبارة عن تجهيزات سريعة وأجهزة اتصال وانارة المدرج، خصوصاً وأن هذه التكاليف ليست مرتفعة ومقبولة للموافقة عليها.
وقال "إن الرغبة في فتح مطار القليعات تتأتى من جدوى تشغيله الآن، بعد الطلبات التي ترد الوزارة من مجموعة شركات طيران لتشغيله، وبعد الاقبال على الطيران العارض في لبنان".
وأضاف "بعد فتح المطار ستنظر الوزارة في المنطقة المحيطة به، لامكان تلزيمها على طريقة بـB.O.T وتطوير امكانات المطار، لكن علينا فتح المطار ما دام هناك امكانية لتشغيله".
وأوضح أن الوزارة تعمل على خطٍ مواز لفتح اعتمادات واجراء مفاوضات مع الشركات الراغبة في تشغيل المطار.
ويلفت الى أن فتح المطار أمام الملاحة الجوية، سيعيد النظر بكل الاتفاقات التي وقعت لاستخدام مطار رينيه معوض، وقال "إن المهم هو أن نبدأ".
واذ رفض الوزير جابر الكشف عن التكلفة المطلوبة لتأهيل المطار، فإن الدراسات التي وضعتها الوزارة تشير الى أن قيمة هذه التكلفة تبلغ نحو 90 مليون دولار.
يقع المطار العسكري وسط سهل عكار في بلدة القليعات الساحلية، الذي كانت تعود ملكيته أصلاً إلى شركة نفط العراق، ثم ما لبثت أن تسلمته الدولة اللبنانية من الشركة، وبدأت بتطويره وتأهيله كمطار عسكري بموجب معاهدة الدفاع العربي المشترك بعد حرب 1967.
ويقع المطار على بعد 105 كيلومترات شمال العاصمة بيروت ساحلاً، و25 كيلومتراً شمال مدينة طرابلس وقربه من مرفأ طرابلس، ويبعد 7 كيلومترات عن الحدود السورية اللبنانية شمالاً، وبمساحة تقريبية تبلغ 5.5 ملايين متر مكعب موزعة كالآتي: الجزء الجنوبي (المطار) 3.25 ملايين متر مكعب، والجزء الشمالي (المنطقة الاستثمارية) 2.25 مليونا متر مكعب ويرتبط بشبكة طرق دولية ساحلية وداخلية
ويعتبر أخصائيون وتقنيون، أن موقع المطار القليعات أهم بكثير من موقع مطار بيروت الدولي، لعدم تعرضه للعواصف والتقلبات المناخية التي قد تؤثر في حركته، كذلك لم تنشأ في محيطه الأبنية التي تعيق حركة الطيران، كما أن الطائرات تستطيع الهبوط والإقلاع من دون الحاجة إلى موجه علماً أنه مجهز برادار (G.G.A)، يتيح للطائرة الهبوط في أسوأ الأحوال الجوية.
ومطار القليعات مجهز بمدرج طوله 3200 متر قابل لتطويره إلى 4000 متر، وعرضه 60 متراً، ومجهز بـ Taxi Way بطول 3200 متر مواز للمدرج، وتتوفر في المطار تجهيزات بنائية ومستودعات للوقود وهنغارات للصيانة وقطع الغيار وأجهزة اتصال ورادار.
وخلال استعماله ابان الأحداث اللبنانية، لاستقبال الركاب من وإلى مطار بيروت كمطار مدني، زيدت فيه بعض التجهيزات الضرورية كقاعة استقبال المسافرين وكافيتيريا وغرف مكاتب لتأشيرات الدخول والخروج وجميع مستلزمات المطار المدني، وبقي بحاجة إلى الانارة لحركة الهبوط الليلي وأجهزة الرصد الجوي والمراقبة.
وشكل المطار في خضم الأحداث اللبنانية، صلة وصل بين الشمال وبيروت بعدما أهل كمطار مدني بدأ يشهد حركة هبوط وإقلاع ناشطة بافتتاح أول خط جوي داخل الأراضي اللبنانية وكانت الطائرة الأولى التي استخدمت في الرحلة الأولى من نوع بوينغ 720 تابعة لطيران الشرق الأوسط ناقلة 16 راكباً، بعدها سيرت شركة الميدل ايست 3 رحلات أسبوعياً كل ثلاثاء وخميس وسبت، لتزيد إلى رحلتين في اليوم الواحد، وحدد سعر التذكرة آنذاك ذهاباً واياباً بـ28 ألف ليرة للدرجة الأولى، و20 ألف للدرجة السياحية وقدر حينها أعداد المسافرين الذين استخدموا المطار بنحو 300 راكب يومياً مثبتاً نجاحه كمطار مدني، كما شهد هبوط طائرات البوينغ 707 خلال انتخابات الرئاسة اللبنانية عند انتخاب الرئيس الراحل رينيه معوض في 3 نيسان 1990 بعد أن سكت المدفع ووضعت الحرب الأهلية أوزارها.
وتشير دراسة وضعتها المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان "ايدال" عام 1999 أن مشروع تطوير مطار القليعات، هو من ضمن توجه عام يهدف لتحقيق الانماء المتوازن في المناطق اللبنانية، ويشمل المشروع منطقة حرة ومناطق نشاطات اقتصادية، وهو يخدم جملة النشاطات الاقتصادية المختلفة (تجارة، صناعة، سياحة) في منطقة شمال لبنان.
ورأت دراسة وضعتها وزارة الأشغال العامة، أن مشروع التطوير في القليعات، يوفر نمواً في مجالات التجارة والزراعة والصناعة والسياحة للبنان، وللمنطقة بشكل خاص، كما يستطيع توفير أنشطة سياحية ورياضية، والجمع بين الرياضة الساحلية والشتوية في المنطقة (الأرز والبحر المتوسط)، كما أنَّ قرب المشروع من أماكن سياحية وأثرية مهمة وموقعه المباشر على ساحل البحر المتوسط بواجهة ساحلية تصل إلى طرابلس، مع امكان ربطه بخط سكة الحديد طرابلس العبودية ـ حمص يستطيع أن يحوله إلى أكثر المطارات سلامة في العالم.
أما عن الأهداف العامة للمشروع فتكمن بخلق فرص عمل متوقعة بنحو 6 آلاف فرصة عمل في السنة الأولى و21 ألف فرصة عمل في سنة 2018، كذلك تفعيل وسائل النقل وخفض التكلفة ورفع مستوى القدرة التنافسية، وإشراك القطاع الخاص في مشاريع ذات أولوية للدولة.
في استراتيجية المشروع أكدت الدراسة أن الحكومة تنوي اعطاء المستثمر أكبر قدر ممكن من الحوافز والمرونة لتنفيذ وتشغيل هذا المشروع، على أن يلزم ضمن عقد تصميم وانشاء وتشغيل وتحويلDBOT ، واعتماد مناقصة عالمية للتلزيم وفقاً لدفاتر شروط معدة من قبل شركات متخصصة. أما أوجه الاستخدام فتهدف لتحويله إلى مطار مدني للنقل الجوي النظامي (حركة ركاب وشحن بضائع) وللنقل الجوي العارض (شارتر) والنقل الجوي الخاص، وتاكسي الجوي (داخلي وخارجي)، كما يهدف إلى انشاء منطقة حرة للتجارة والصناعة الخفيفة، واعادة التجميع والتصدير، واقامة منتجعات سياحية وترفيهية على ساحل البحر الأبيض المتوسط، واقامة مناطق أخرى يتم تطويرها وتحديد أوجه استخدامها من قبل المستثمر.
وحددت الدراسة موجبات الدولة الاستثمارية في عقد DBOT وهي استملاك المنطقة الاستثمارية، ووضعها في تصرف المستثمر، واصدار مرسوم يحدد الارتفاقات لتأمين سلامة الملاحة الجوية، وتحديد المجال الجوي وابرام اتفاقية جوية بين لبنان وسوريا، وتأمين كل ما يلزم لتأمين تنفيذ وتشغيل المشروع بالسرعة الممكنة.
أما عن موجبات المستثمر فحددتها الدراسة بتصميم وتشغيل وتحويل المشروع للدولة عند انقضاء فترة العقد، وتأهيل وتطوير كامل أو جزء من المنطقة الاستثماريةالجزء الشمالي، واعادة بناء جزء من المباني الواقعة في المطار ـ الجزء الجنوبي، والتزام مالي لتمويل المشروع، ووضع سياسة التشغيل والإدارة واستثمار الأراضي، وضع الدراسات البيئية والفنية، وتأسيس شركة مساهمة لبنانية على أن يكون ثلث رأسمالها من أسهم اسمية تعود ملكيتها لأشخاص طبيعيين أو لشركات لبنانية.
وتبلغ تكلفة المشروع بحسب الدراسة 90 مليون دولار، وقدرت تكلفة المرحلة الأولى المتضمنة تأهيل المدارج والمنشآت والتجهيز بـ45 مليون دولار، أما المردود المالي المتوقع للمستثمر 25% لفترة استثمار تمتد 30 سنة.
ويقول منسق تيار المستقبل في عكار مصطفى هاشم، "ليست المرة الأولى التي يجري فيها الكلام عن القليعات، والأسباب الداعية الى عدم الشروع بتنفيذه".
وذكر باللقاء الموسع الذي نظمه التيار منذ السنة ونصف السنة، بحضور وزير الأشغال العامة آنذاك نجيب ميقاتي، حول مطار القليعات، ولفت الى أن حكومة الرئيس رفيق الحريري، كانت قد وافقت على مرسوم يحمل تواقيع للموافقة على البدء بالخطوات الأولية للمشروع، لكن عدم تعيين الهيئة العامة للطيران المدني، والهيئة العليا لمرفأ بيروت، ساهم إلى حد بعيد بأن يبقى المشروع في الأدراج وتطوى صفحته إلى ما شاء الله.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.