البنك الدولي يعالج وهن اقتصاد الشمال بالمساعدة على خلق وظائف جديدة
يواجه اقتصاد شمال لبنان، تحديات كبيرة في خلق فرص العمل، سيما وان اقتصاد الشمال اقتصاد اقليمي وغير رسمي وذو مستوى فقر عال، ويواجه صدمات خارجية كبيرة وطويلة الامد تزيد من تدهور حالة انعدام الامن الداخلي المستمر، كما تعاني منطقة الشمال من احساس قوي بالاهمال من جانب الدولة المركزية، اذ لم تتمكن من المضي بالاصلاحات الرئيسية المطلوبة، لتوفير اي تحسين تنافسي واسع النطاق في اقتصاد المنطقة، كما انها لم تتمكن من تقديم اي دعم مستهدف كاف لهذه المنطقة، فسوق العمل يوفر وظيفة واحدة لكل خمسة بالغين في سوق العمل، ويكمن جوهر المشكلة في جانب الطلب، فالقطاع الخاص لا يولد فرص عمل منتجة، وبالتالي فان عشرات الآلاف من البالغين في سوق العمل والمتعلمين نسبيا هم عاطلون من العمل او خارج القوى العاملة تماما. ويأتي ذلك وفقا لأحدث تقرير للبنك الدولي Jobs for North Lebanon/الوظائف في شمال لبنان، اطلقه الأسبوع الماضي.
من هنا، وفي بيانها الوزاري، أكدت حكومة استعادة الثقة من أنها ستعمل على تقديم مشاريع قوانين لتسهيل بيئة العمل الإقتصادي، وتعزيز دور قطاعات الإنتاج (الصناعية والزراعية والسياحية)، وتنظيمها وتطويرها، وبدء العمل فورا لمعالجة المشكلات المزمنة التي يعاني منها جميع اللبنانيين، ومن أهمها استكمال البرنامج الوطني لمكافحة الفقر وتأمين التمويل اللازم له.
ويشكل التقرير خارطة طريق رغم تشاؤميته، حيث هناك حكومة تريد فعلياً معالجة الأزمات المتكدسة مناطقياً، مع تخصيصها سلسلة من جلساتها في المناطق، لإعادة النمو فيها، واطلاق المشاريع ذات الصلة، وقد دعا التقرير الى التركيز مرحليا على المشاريع الصغرى والكبرى، باعتبارها عصبا للحركة الاقتصادية في الشمال، الا ان كثيرا من الخبراء يعتبرون ان هذا النوع من المشاريع حالة ضرورية في بيئة غير جاذبة للاستثمارات الضخمة، فلا يوجد شبكة أمان اجتماعي وكذلك لا توجد جودة في التعليم، يمكنها المساعدة في ردم الهوة السحيقة في النمو الاقتصادي للمدينة التي ينبغي ان تكون عاصمة ثانية بحق قبل ان تكون عاصمة اقتصادية للبنان، وعلى أي حال ما تضمنه تقرير البنك الدولي قليل جدا، ولا يمكن معرفة ما حجم الحصة التي ستنالها طرابلس من المساعدة البالغة 400 مليون دولار لكل لبنان، والسؤال هل يمكن الاتكال فقط على دعم المشاريع الصغرى والمتوسطة؟!..
فهذا النوع من المشاريع وبحسب الخبراء يحتاج الى سياسات وتخطيطات، وفي ان تشمل توجهات الحكومة الإنتاجية مجالي السلع والخدمات والسياسة التجارية وفي مجال المال، خصوصاً الضرائب والإعانات، والسياستين النقدية والبيئية وغير ذلك من إجراءات مراقبة الجودة وقوانين العمل السائدة والبنية التحتية والشفافية.
وتعتبر المصارف ممولاً أساسياً لنشاطات المشاريع السلعية والخدمية على اختلاف أحجامها. ولكن حصة المشاريع الصغيرة والمتوسطة من هذا التمويل لا تتجاوز الـ18 في المئة. وتجدر الاشارة في هذا السياق الى ان مصرف لبنان، كان قد أصدر في 2013 تعميماً رقمه 331 بهدف تسهيل مهمة المصارف في تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة. وينص التعميم على السماح للمصارف بالاقتراض من مصرف لبنان من دون فائدة وشراء أذونات خزينة بهذا القرض بعائد سنوي قدره 7 في المئة، في مقابل أن تقوم بإقراض المشاريع الصغيرة والمتوسطة خصوصاً تلك التي هي في دور التأسيس بما يساوي 3 في المئة من رأس مال المصرف. ويقوم مصرف لبنان بضمان 75 في المئة من قيمة القرض بينما يتحمل المصرف المعني 25 في المئة فقط في حال عجز المشروع المقترض عن التسديد، بشرط ألا يتجاوز القرض المقدم لمشروع واحد الـ10 في المئة من نسبة الـ3 في المئة من رأس مال المصرف بهدف توزيع المخاطرة قدر الإمكان.
وعلى اي حال، فإن ما سيقدمه البنك الدولي الذي وصف اقتصاد شمال لبنان بالهش، يقترب الى حد كبير من مفهوم دعم مثل هذه المشاريع، متوقعا ايجاد وظائف تصل الى حدود ال1400 وظيفة من اصل 22000 يتطلبها الشمال حاليا، وترتكز هذه المشاريع على موضوعي البطاطا زراعة وتصديرا وتصنيعا، اضاغة الى مشروع جمع النفايات وفرزها وتدويرها، عبر مراحل تسلسلية.
ما هما المشروعان اللذان سيقدمهما البنك الدولي؟: -توفر سلسلة قيمة البطاطا نحو 9000 فرصة عمل منها 1800 وظيفة دائمة ونحو 7200 وظيفة موسمية، ويؤدي تحويل العمال الموسميبن الى وظائف مكافئة بدوام كامل اي نحو 40 ساعة في الأسبوع على مدار السنة وهو ما يؤدي الى خلق نحو 3000 مكافئ بدوام كامل في سلسلة القيمة، وتندرج هذه الوظائف في مجال الزراعة، حيث تمثل ثلثي الوظائف الدائمة و85 في المئة من الوظائف الموسمية، كما يستاثر التجار عددا كبيرا اي أكثر من 500 مكافئ بدوام كامل ونحو 400 وظيفة دائمة..
يتبوأ اللبنانيون جميع الوظائف ذات المهارات العالية تقريبا عبر سلسلة قيمة البطاطا، وكذلك الغالبية العظمى من الوظائف الدائمة ذات المنخفضة في انشطة التصنيع والتجارة، وهناك اكثر من 40 في المئة من النساء اللبنانيات يشغلن وظائف دائمة لدى موردي ابمدخلات والمصنعين، اما معظم الوظائف التي يشغلها الشباب اللبنانيون، فهي في مجال التجارة حيث اكثر من 80 في المئة من الوظائف الدائمة ذات المهارات المنخفضة، ويهيمن العمال الاجانب على العمالة الموسكية والعمالة المنخفضة في مزارع البطاطا، لقد تم تقويم امكان خلق فرص عمل للبنانيبن على مستوى المهارات العالية داخل طيف العمالة، نتيجة للنمو في سلسلة قيمة البطاطا الى السيناريوين التاليين: -التوسع في الصادرات حيث يحصل مزارعو عكار على نصف حصة الاتحاد الاوروبي البالغة 50 الف طن متري مقابل لا شيء في الوقت الحاضر، بالاضافة الى اسواق التصدير المحلية القائمة وغيرها، ان من شان ذلك ان يخلق 350 وظيفة دائمة اضافية، و1550 وظيفة موسمية اخرى، وقد تتركز نحو 70 في المىة من الوظائف في المزارع، والوظائف المتبقية في التجارة والمدخلات.
-استثمارات جديدة واسعة النطاق في تصنيع البطاطا: في الطرف الاعلى من هذا السيناريو، يمكن خلق ما يقارب 2200 وظيفة فرصة عمل دائمة جديدة، وتشمل 1200 وظيفة في مجال التصنيع والتجارة وتوريد المدخلات والتي تميل الى استخدام عمال لبنانيين الى حد كبير، بما في ذلك الوظائف التي تتطلب مهارات معينة.
من الناحية العملية، يتوقف عدد وطبيعة الوظائف التي يمكن خلقها وفق اي سيناريو نمو لسلسلة القيمة هذه الى حد كبير على نوع الاستثمار المحفز للنمو مثل التوسع في الاستثمار مقابل الاستثمار في الاقتصادات الناشئة، فضلا عن القرارات التي تتخذها الشركات بشان الرأسمال والعمالة.
النفايات الصلبة واعادة التدوير بامكان سلسلة القيمة لادارة النفايات الصلبة واعادة التدوير بكامل طاقتها التشغيلية ايجاد فرص عمل لنحو 4600 عامل مقابل نحو 1300 عامل يعملون الآن فيها، وتعد مشاركة الاناث منخفضة، اذ لا تتجاوز 6.7 في المىة من القوى العاملة في سلسلة القيمة باكملها، ويمثل العمال الاجانب 30 في المئة، ولا سيما في الوظائف ذات المهارات المنخفضة.
واستنادا الى معدل نمو سنوي قدره 1.6 في المئة، من المتوقع ان يصل عدد الوظائف على امتداد سلسلة القيمة بأكملها الى 5000 وظيفة بحلول العام 2020 ونحو 5400 بحلول العام 2025، ويستند هذا الحساب الى افتراض ان مرافق ادارة النفايات في شمال لبنان تعمل بكامل طاقتها، باعتبار ان النفايات البلدية يتم جمعها بنسبة 99 في المئة على الاقل، وان جميع خطوط الفرز تعمل بالاستناد الى بنية تحتية فعليا لسلسلة الامداد للمنتجات القابلة للتدوير.
ومن المتوقع ان يتركز اعلى عدد من الوظائف في مجال تجار المواد القابلة لاعادة التدوير اي اكثر من 1900 وظيفة بحلول العام 2025، يليها معالجة الفولاء اي تشغيل نحو 750 عامل بحلول 2025، ويكشف توزيع الوظائف بحسب نوعها عن ان ربع فرص العمل الجديدة تقريبا اي نحو 475 وظيفة قد تكون وظائف دائمة ذات مهارات عالية، في حين ان 70 في المئة منها وظائف دائمة ذات مهارات منخفضة، ومن المتوقع ان تتركز الوظائف الدائمة ذات المهارات العالية بشكل اساسي في قطاع التجارة اي نحو 30 في المئة، يليه قطاع الورق اي 25 في المئة.
ويشير تحليل سلسلتي القيمة المذكورتين الى انهما تتمتعان بامكانات كبيرة لخلق وظائف ذات جودة افضل للبنان، بالاضافة الى المزيد من فرص العمل الناشئة بشكل غير مباشر من خلال تأثير النفقات المتصلة بالأجور في الاقتصاد المحلي. وتمثل سلاسل القيمة هذه حصة صغيرة نسبيا من الاقتصاد الكلي في شمال لبنان، لذلك هي ليست حلا قاطعا للتحدي المتعلق بفرص العمل، علاوة على ذلك قد يكون من الضروري القيام باستثمارات كبيرة وغيرها من التدخلات عبر سلسلة القيمة من اجل تحقيق اثر واضح على خلق فرص العمل وجودتها.
ثمة من يقول ان المشاريع الصغيرة والمتوسطة لا ترفع من نسب النمو التي يحتاجها الشمال فعلا، فالتجارب اثبتت سابقا ان انتاجية هذه المؤسسات او المشاريع كانت رديئة، بالمعنى الاقتصادي، أي سلع غير منافسة، ولا يمكنها ان تضاهي جودة المستورد سواء من خارج الشمال او من خارج لبنان، لكن وبكل تأكيد تحتاج طرابلس والشمال وضع برامج لتلك المشاريع، كمحفز للاستثمارات المأمولة قبل تطويب طرابلس عاصمة اقتصادية للبنان وبأقل الحالات منصة لاعادة اعمار شمال سوريا والعراق!!...
8 آذار 2019 00:00
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.