أمّا وقد تشكلت حكومة الرئيس سعد الحريري الثانية، فإن الأنظار تتجه نحو اقرار المرسومين العالقين في مجلس الوزراء لاخراج ملف النفط من حال المراوحة، والمضي قدماً بأنشطة الاستكشاف والانتاج.
وقال خبير النفط في لبنان ربيع ياغي لـالمستقبل، إن موضوع إقرار المرسومين النفطيين سيكون على رأس الأولويات بالنسبة لحكومة الرئيس سعد الحريري، بالتوازي مع الأولويات الاخرى كالنفايات والكهرباء. وبالتالي، فإن تأجيل أو تسويف البحث في المرسومين واقرارهما، سيكون كارثياً علينا، سيما وأن الوقت ليس من مصلحتنا أبداً. ويعتبر ياغي ان اقرار المرسومين سيعني الخروج من الروتين الاداري والبدء بالتحضير لدورة التراخيص الأولى، والتي تحتاج فعلياً الى ما لا يقل عن 14 شهراً للبدء بالتعاقد مع الشركات الأجنبية التي ترسو عليها المناقصة.
حتى الآن، لم يتم اطلاق الجولة الاولى من الترخيص التي ستعطي الضوء الاخضر للتنقيب، علما ًأن وزارة الطاقة والمياه اعلنت انطلاق عملية تصنيف الشركات في شباط 2013. وبناء عليها، تقدمت 52 شركة عالمية بطلبات اختيرت منها 46 للمشاركة، علماً انها تضمنت شركات كبرى كـأريكسون موبيل وشل التي تلبي الشروط المالية والتقنية القاسية التي وضعتها الوزارة.
واللافت أن العام 2016 كان عام المؤتمرات النفطية بامتياز، بيد أنه ميدانياً لم يتم التقدم على أي مسار يبشر بانفراج أزمة استكشاف وانتاج النفط، رغم التحديات الماثلة على صعيد الاكتشافات الضخمة في المنطقة، أو على صعيد تهاوي الأسعار. وهو ما يفقد شهية الشركات النفطية الكبرى تجاه الاستثمار في المياه الاقتصادية الخالصة في لبنان، والتي تشكو أيضاً من خلل في الترسيم سواء مع الجانبين القبرص أو الاسرائيلي. وليس الأمر أفضل حالاً مع الجانب السوري. فالحدود البحرية مع غير مرسمة نهائياً. كما ان هذه الشركات لن تكون لديها الشهية القوية للتوغل نفطياً وغازياً في لبنان في ظل الاحتمال الجيولوجي غير المؤكد، وغياب البنية التحتية لوجود الغاز. فجل الأرقام عن المخزونات المحتملة تبقى احتمالية ولا يمكن تأكيدها إلا بالاستكشاف والاستخراج. وجل ما حققه لبنان هو تقدم على مسار مشروع قانون تعزيز الشفافيّة في قطاع النفط الذي قدمه النائب جوزف معلوف، والّذي يُدَعِّم المنظومة التشريعيّة الموضوعة بمزيد من معايير الشفافيّة.
بين اعوام 2006 و2013، قامت الشركة النروجية PGS (Petrolium Geoservices) والشركة البريطانية (بريتيش سبكتروم) بمسوح زلزالية ثنائية الابعاد وثلاثية الابعاد غطت نحو 70 في المئة من الساحل اللبناني. وأعطيت تقديرات للمخزون المتوقع، لكنها كانت بعيدة جدا عن بعضها.
فبحسب تقدير شركة سبكتروم، تحمل المساحة المائية في لبنان بين 12 تريليون قدم مكعب من الغاز و25 تريليونا يمكن استخراجه تقنيا. لكن الشركة الفرنسية ( beicip franlab ) قالت إنها تتوقع وجود بين 440 مليون برميل من النفط و675 مليونا. فيما كان وزير الطاقة والمياه السابق جبران باسيل اكثر تفاؤلاً باعطائه تقديرات بلغت 95.5 تريليون قدم مكعب للغاز و865 مليون برميل من النفط. ويؤشر هذا التفاوت الكبير بين التقديرات الى عدم الدقة التي تتسم بها طرق تقدير الغاز والنفط في كل الامكنة.
ويمكن ايجاز ابرز ما جاء في الدراسات التي وضعها الخبراء، ونوقشت في مجلس النواب أكثر من مرة، بالاتي:
- لبنان هو الحالة الوحيدة الذي لم يُكتشف فيه النفط والغاز ولا تتوافر فيه معلومات عن وجود موارد محتملة مثبتة. وقد خاض السياسيون ووسائل الإعلام نقاشات مطوّلة حول المصطلحات التقنية، وحجم الاحتياط والموارد المتوافرة، ما أدى إلى تبني توقعات غير منطقية.
-اعتمدت النروج وحدها سياسة نفطية رسمية واضحة المعالم، في حين نشرت إسرائيل على الموقع الإلكتروني لوزارتها غايات محددة. والأمر مماثل في قبرص، مع وجود تفاوت في درجات التحديد. أما في لبنان، فإن غياب السياسة النفطية ذات الأهداف الواضحة لهذا القطاع يحتم الحاجة الماسة إلى وضع سياسة نفطية جديدة وحديثة.
-لبنان الحالة الوحيدة الذي أقر قانوناً منفصلاً يُعنى بالموارد النفطية في المياه البحرية والذي يفتقر إلى الدقة التي تتميز بها القوانين المماثلة للحالات الأخرى، لا سيما قانون النروج. في حين أنه في الحالات الأخرى، يوجد قانون واحد يسري على كل أنشطة النفط والغاز في مرحلة ما قبل الانتاج، سواء أكانت الأنشطة تتم على البر أم في المياه البحرية.
- في موضوع المصادر والاحتياط، نتكلم عن اعماق تصل الى 2000 متر، وهو ما يعني أنه ليس هناك من أمر ثابت في ما يتعلق بالاحتياطات الا بالحفر والاستكشافات.
- أن المسألة النفطية في لبنان، هي مسألة سياسية، والاجماع السياسي مهم للنهوض بالقطاع، لذا ينبغي التوافق على التلزيم التدريجي للبلوكات.
- لبنان هو البلد الوحيد الذي لا يشير إلى النفاذ العام إلى المعلومات المتعلقة بمسائل النفط والغاز في قانونه الخاص بالموارد الهيدروكاربونية، على الرغم من أن الأنظمة واتفاقية الاستكشاف والإنتاج تأتي على ذكر هذا الأمر.
-يتميز لبنان بالتزام معايير محددة في ما يتعلق بالتوظيف المحلي.
-يستثني مقتضى إجراء تقويم للأثر البيئي، المفروض على المتعاقدين، مرحلة الاستكشاف والتقويم.
-لا يتوفر في لبنان أي قانون بشأن النفاذ إلى المعلومات، فيما هو في طور الصياغة في قبرص.
-يعتمد كل من لبنان وقبرص والنروج أسلوب التراخيص لمنح بترول وغاز. ولكن شروط التراخيص والمعايير الخاضعة للمزايدة تختلف من بلد إلى آخر. فقبرص تقف في أحد الطرفين، وتخضع كل الشروط الاقتصادية للمزايدة، في حين أن النروج تركّز على برنامج العمل. ويدرس لبنان، من جهته، إمكان استخدام المعايير الضريبية كشروط خاضعة للمزايدة، إلى جانب برنامج العمل. أما إسرائيل، فقد اعتمدت أسلوب تقديم الطلبات المباشر، غير أنها في آب 2016 أعلنت أنها سوف تبدأ بجولة التراخيص الأولى لها.
-يعتمد كلٌ من لبنان وقبرص الترتيب التعاقدي، فيما تتبع النروج وإسرائيل نظام الامتياز. لم يتم إصدار الشروط الضريبية في لبنان بنسختها الأخيرة ولم يتم الإفصاح عنها بعد. أما قبرص، فتعتبرها كلها خاضعة للمزايدة. في النروج وإسرائيل، تنصّ التشريعات على هذه الشروط وهي تنطبق على جميع المستثمرين، من دون أي تمييز. إضافة إلى ذلك، اعتمدت كل من إسرائيل والنروج نظاماً بسيطاً نسبياً. والمثير للاهتمام هو أنه رغم اعتماد النظام الضريبي للنفط في النروج على أداتَين أساسيّتَين تستندان إلى الربح (ما من إتاوة أو أداة أخرى قائمة على الإيرادات)، فإن هذا النظام يستحدث الحصة الحكومة الأعلى التي تبلغ 78 في المئة، خصوصاً إذا قورنت بـإسرائيل التي تعتمد بشكل رئيس نظام الإتاوة، والضريبة على الربح غير المتوقع، وضريبة الدخل، غير أن الحصة القصوى لا تتجاوز 60 في المئة.
-ما زال على لبنان أن يتخذ قراراً بشأن شركة البترول الوطنية. فقانون الموارد البترولية في المياه البحرية لا ينص صراحة على ضرورة إنشاء هكذا شركة.
-بالنسبة إلى إدارة الإيرادات، لا يوجد حل مناسب للجميع. فاختيار الاستراتيجية والسياسات يعتمد على عوامل متعددة، مثل الظروف الاقتصادية وحجم الدين، وتوفّر رأس المال، وحجم الاحتياط، والإنتاج المحتمل للموارد الهيدروكاربونية، والسياق المؤسسي، والنظام السياسي للبلد، من بين أمور أخرى. وقد أنشأت النروج من جهتها صندوق ثروة سياديا هو الأكبر في العالم، وهو يعمل وفق قواعد تشغيلية صارمة. أما إسرائيل فقد أنشأت صندوق ثروة سياديا، فيما تعمل قبرص حالياً على إنشاء هكذا صندوق. وبموجب القانون، من المفترض أن ينشئ لبنان صندوقاً سيادياً لإدارة إيرادات النفط المحتملة، غير أن الإدارة الناجحة لهذا الصندوق ستعتمد على قدرة الحكومة على تلبية مقتضيات محددة، لا سيما في مجال الحوكمة، ووضوح الأهداف والمهام، واستراتيجيات التخصيص، والقواعد التشغيلية، بالإضافة إلى أمور أخرى.
-يفرض القانون قيام الحكومة بدراسة للأثر البيئي قبل البدء بأي نشاط بترولي. كما ويلزم القانون أيضاً شركات البترول والغاز على تقديم دراسة لتقييم الأثر البيئي للموافقة عليها، كجزء من دفتر شروط تقديم طلبات التراخيص. يطابق نظام الحوكمة البيئية في لبنان المعايير البيئية العالمية إجمالاً، غير أن الكثير من الثغرات ما زالت تشوبه.
-لم ينضمّ لبنان وقبرص إلى أي مبادرة شفافية دولية، مثل مبادرة الشفافية في مجال الصناعات الاستخراجية وشراكة الحكومات المفتوحة، خلافاً للنروج وإسرائيل. غير أن قبرص، بصفتها عضواً في الاتحاد الأوروبي، قد اعتمدت نظام ضوابط وموازين جدي مقارنة بلبنان.
يُعتبر لبنان من ضمن قائمة الدول التي انضمت حديثاً إلى ساحة النفط والغاز، حيث تقع على عاتق أصحاب القرار مسؤولية كبيرة، رغم حتمية ارتكاب الأخطاء في المراحل الأولية. وللمضي قدماً في هذا الشأن فلا بد من الاستفادة من الخبرة المكثّفة للبلدان الأخرى والتعلّم من نجاحاتها وأخطائها حرصاً على تعزيز المنافع التي يأتي بها قطاع النفط والغاز وتقليص المخاطر التي ينطوي عليها والتي لا يمكن الاستهانة بها. ويبقى علينا أن لا ننسى أن أي استراتيجية ناجحة لا يمكن نسخها من بلد آخر وتطبيقها بل هي ثمرة جهود تتطلّب بذل وقت وانضباط وتوفّر الالتزام السياسي.
يبقى أن لبنان الذي ينوء بأعباء اقتصادية ومالية ثقيلة، في خضم صراعات جيوسياسية من حوله، لا مصلحة لديه في تأخير اتخاذ قرارات حيوية. فهل ستشكل حكومة سعد الحريري الثانية خشبة خلاص لملف النفط والغاز ومنعه من الغرق في البحر المتوسط؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.