كما كل القطاعات الاقتصادية، كان لقطاع العقار نصيبه من التراجع في العام 2014 بعدما شهد فورة اسثنائية بين سنوات 2006 و2010، اذ انخفض عدد المعاملات العقارية في2011 و2012 و2013 وخلال الأشهر العشرة الأولى عام 2014.
ولكن رغم ذلك، لم يحدث الانهيار الكبير، لا للمشاريع العقارية ولا لأسعارها، رغم أنَّ كل توقعات العام 2013 كانت تتجه الى مثل هذا التشاؤم. وهذا يعود الى قوة العقار وقدرته على التكيف ومواكبة القطاع المصرفي له، وغياب عامل المضاربة والمنافسة. فجلّ ما يبنى فعلياً هو للحاجة أكثر منهُ للتجارة الواسعةِ النطاق.
وتُظهرُ إحصاءات المديرية العامة للشؤون العقارية، تباطؤاً نسبياً في أداء القطاع العقاري في لبنان خلال تشرين الأول 2014، بحيث انخفض عدد المعاملات العقارية إلى 6179 معاملة، مقارنةً مع 6627 معاملة في أيلول. أما على صعيدٍ تراكمي، فقد إرتفع عدد المعاملات العقارية بنسبة 3.97 في المئة سنوياً إلى 58009 معاملة خلال الأشهر العشرة الأولى 2014، من 55794 معاملة في الفترة نفسها من العام السابق. في المقابل، تراجعت قيمة المعاملات العقارية خلال تشرين الأول 2014 إلى 740.70 مليون دولار، مقابل 802.79 مليوني دولار في أيلول. غير أن قيمة المعاملات العقارية قد حققت زيادةً سنويةً بنسبة 7.52 في المئة على صعيدٍ تراكمي إلى 7.41 مليارات دولار خلال الأشهر العشرة الأولى 2014، من 6.89 مليارات دولار في الفترة نفسها 2013.
وإرتفعت قيمة المعاملة العقارية الواحدة على نحو ملحوظ إلى 127710 دولارات مع نهاية تشرين الأول 2014، من 123539 دولارا في الفترة نفسها 2013. ويذكر في هذا السياق، بأن حصة الأجانب من عمليات المبيع العقارية قد تقلصت إلى 1.54 في المئة مع نهاية الأشهر العشرة الأولى من العام الجاري، من 1.81 في المئة خلال الفترة نفسها 2013 و1.85 في المئة كما في نهاية 2013. وزاد متوسط قيمة المعاملة العقارية الواحدة في مدينة بيروت إلى 607514 دولارا مع نهاية تشرين الأول 2014، من 499948 دولارا في نهاية عام 2013.
ويقول الخبير الاقتصادي يسار ناصر، إنَّ الاقتصاد ككل تأثر بأوضاع المنطقة ولا سيما مع مجيء نحو 1،5 مليون سوري الى لبنان، بالاضافة الى حال الانعدام السياسي والأمني في لبنان، لافتا الى ان القطاع يشكلُ جزءاً مهماً من المحفظة الاستثمارية في لبنان، لكن المستثمر يسير دائما وفقاً لقاعدة الاستقرار.
ويؤكد ناصر أن هناك ضموراً في الطلب على العقار في لبنان، وبالتالي لم نشهد مشاريع كبيرة، خصوصاً وأن المغتربين يترقبون الأوضاع، متوقعاً أن تتشابه السنة المقبلة مع 2014، إلا أنَّ كل ذلك مرتبط فعلياً بأوضاع المنطقة الساخنة، ولا سيما سوريا الجار الأقرب الى لبنان.
ومع هذا الرأي، ينسجمُ فوزي جباضو مدير شركة جباضو للعقارات، الذي يعتبر أنَّ لبنان تأثر فعلياً بالأوضاع على الحدود، والأهم هو الشغور في سدة الرئاسة وعدم اجراءِ انتخاباتٍ نيابية من شأنها التجديد في الحياةِ السياسية، وهذا بحد ذاته يمثل القلق الفعلي للمستثمرين. ويقول إن كل أوضاع لبنان العقارية تأثرت، بيد أن الشمال كان لهُ الحصةُ الكبرى من أزمة النازحين، وعليه يمكن اختصار المشهد بأنه حدثت عمليةُ تباطؤ، وعملية تصحيح في الاسعار، مع انحسارِ الطلب. ويضيف ربما تكون بعض الخسارات لبعضِ المطورين الذين يريدون سيولة ولا يستطيعون الاستمرار في هذه الوضعية.
إلا أنَّ رئيس مجلس الادارة شركة Plus Properties، جورج شهوان كان له رأي معاكس. اذ قال إن هناك عمليات تصحيح في العقار، واعتبر أنَّ لبنان قفز من فوق الأزمة السورية وانعكاساتها. أضاف ان العقار لم يتوقف مع وقوف القطاع المصرفي الى جانب المطورين العقاريين، بل إنَّ العام 2014 شهد عمليات تصحيح في الشقق الصغيرة والمتوسطة، وفي بعض الحالات بالنسبة للشقق الكبيرة وهذه النسب تراوح ما بين 5 في المئة الى 15 في المئة، متوقعا أن يستمر التصحيح خلال العام المقبل.
أما مدير رامكو العقارية، رجا مكارم، فلاحظ أنَّ لبنان لم يختلف عن أسواق العالم لجهة التحسن المطلوب، متغلباً على أزمات المنطقة. وقال إنَّ النمو هو ما بين 5 في المئة الى 10 في المئة، إلا أنَّ الوضع يختلف عما كان عليهِ خلال فترات الازدهار الممتدة من 2005 الى 2010، وهذا يتطلب إعادة الثقة الى لبنان عبر الانفراجات الطويلة الأمد في الوضعين السياسي والأمني.
ولفت الى ان أسعار الشقق ارتفعت ما بين 5 في المئة الى 10 في المئة وكذلك الأراضي، متحدثا عن مشاريع عقارية بعشرات ملايين الدولارات شهدها العام 2014، وهذا يدلُّ على قوة قطاع العقار في لبنان ومتانته وقدرتهُ على التكيف مع الأوضاع.
ولا يتوقع مكارم معجزات في العام 2015 بيد أنه يشير الى أن عملية الاستقرار ستعطي دفعاً لواحد من أهم الأعمدة الاقتصادية في لبنان وهي العقار. إلا أنَّه يختم بالقول ان القطاع الذي تأثر فعلياً أسعاراً وايجاراً هو قطاع المحلات، إذ تراجعت ما بين 40 في المئة الى 50 في المئة.
القروضِ السكنية
أمّا في ما يتعلق بالقروض السكنية فانها باتت الآن، تخفف الكثير من حركة النشاطِ العقاري، كما أشار جباضو، الذي تحدث عن تعقيدات إنَّ التعقيدات التي فرضتْ على تكبير حجم الدفعة الأولى ساهمت بشكلٍ غير مباشر على الاندفاعة لهذه الناحية خصوصاً وأنَّ هذه القروض تُمنَحُ لشراءِ الشقق الصغيرةِ والمتوسطة، وهو ما يعني أنَّ الفئة التي تأخذُ قروضاً سكنية، في المجمل هي من أبناءِ الطبقة المتوسط وصولاً الى الفئة المحدودة الدخل، فكيفَ يمكن فرض تكبير حجم الدفعةِ الأولى.
ويلفتُ الى أنَّ من حجمِ هذه الشروط أن تقلل من اندفاعة العقار ولا سيما تلك التي تحتاجُ قروضاً من المصارفْ، ورأى أن الخطوة مهمةٌ جداً لناحية حماية الجميع من التعثر، كي لا نقع في المحظور.
ويشار في هذا الاطار، الى أنَّ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، كان قد أصدر تعميماً القرار الوسيط الرقم 11831، الذي دعا فيه المصارف والمؤسسات المالية كافة إلى التشدّد في إعطاء القروض الشخصية والسكنية، وهنا أبرز ما جاء في نصّ القرار المادة الأولى: يلغى نص عبارة القروض الممنوحة استناداً إلى البروتوكول الموقع مع كل من المؤسسة العامة للإسكان وجهاز إسكان العسكريين المتطوعين ووزارة المهجرين وصندوق تعاضد القضاة والمديرية العامة لقوى الامن الداخلي الواردة في الفقرة ز من البند 1 من المادة الثالثة من القرار الاساسي الرقم 7776 تاريخ 21/2/2001 ويستبدل بالنص الآتي القروض الممنوحة استناداً إلى البروتوكول الموقع مع كل من المؤسسة العامة للإسكان وجهاز إسكان العسكريين المتطوّعين ووزارة المهجرين وصندوق تعاضد القضاة والمديرية العامة لقوى الامن الداخلي والمديرية العامة للامن العام. أمّا المادة الثانية فقد فرضت على المصارف والمؤسسات المالية عند منح عملائها قروض تجزئة، ألا يتجاوز أي من قرض السيارة أو القرض السكني الممنوح لشراء مسكن اول نسبة 75 في المئة، كحدّ اقصى من سعر السيارة أو المسكن موضوع القرض، وذلك مع الاحتفاظ بما نصت عليه الفقرة ز من البند1 من المادة الثالثة أعلاه في ما خص القروض السكنية الاخرى. وألا يتجاوز مجموع التسديدات الشهرية لقروض التجزئة كافة نسبة 45 في المئة من دخل العائلة، منها نسبة 35 في المئة كحدّ اقصى للقروض السكنية.
ومن المعلوم أنَّ عظم القروض السكنية المدعومة أو الميسَّرة حُرِّرت بالليرة اللبنانية. وهذا طبيعي إذ يُراعي من جهة مداخيل المقترضين وهي بالليرة اللبنانية، ويرتبط من جهة أخرى بآليات استعمال الإحتياطي الإلزامي بالليرة اللبنانية ، المكوَّن بنسبة 15 في المئة من الودائع بالليرة والذي لا يدرّ أيّ دخلٍ بعكس الإحتياطي بالعملات الأجنبية.
بنهاية العام المنصرم 2013، بلغ عددُ المستفيدين من القروض السكنية، أكثر من 94,3 ألفاً، أي بمعدّل وسطي قدره 91 ألف دولار أميركي للقرض الواحد.
وفي النصفِ الأولِ من العامِ الجاري، شكلت القروض والتسليفات المصرفية للأفراد، ما قيمته نحو 24 ألف مليار ليرة (نحو 18 مليار دولار) أي ما نسبته نحو 28 في المئة من إجمالي التسليفات للقطاع الخاص والقطاعات الإنتاجية البالغة نحو 47.7 مليار دولار. وكانت حصة القروض السكنية من هذه التسليفات نحو14 ألف مليار ليرة ما يقارب 9.5 مليارات دولار لنحو 96 ألفاً و683 مقترضاً. واللافت ان عدد القروض السكنية زاد خلال العامين 2013 و2014 أكثر من 4.5 مليارات تقريباً، نتيجة الحوافز التي قدمها مصرف لبنان بنحو 3200 مليار ليرة خلال السنتين الأخيرتين. ويبلغ متوسط القرض الفردي للأشخاص نحو 45 مليون ليرة بينما يبلغ القرض السكني نحو 143 مليون ليرة.
في الختام لا يمكن إلا أن نؤكد تأثر القطاع العقاري في لبنان سلبا نتيجة الركود الاقتصادي ككل والنمو الكسول، وإذا كان العقار لم يتأثر كغيره من القطاعات الاقتصادية غير أن الركود يعتبر تراجعا ولو بطيئاً، على أمل أن يأتي العام القادم بتغييرات سياسية تؤثر إيجابا على القطاع العقاري والاقتصادي ككل.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.