أعاد وزير الطاقة والمياه جبران باسيل، سد بلعا، إلى دائرة الضوء مجدداً، مع توقيعه قبل أربعة أيامٍ مع نظيره الإيراني مجيد نمجو، مذكرة تنسيق تهدف إلى تنفيذ مشروع بناء السد وملحقاته في قضاء البترون من خلال هبة بقيمة 40 مليون دولار أميركي، ضارباً عرض الحائط هواجس أهالي المنطقة من جهة، والعقوبات الدولية المفروضة على إيران من جهة ثانية وما يمكن أن ينجم عن تنفيذ المشروع وفق الاتفاق اللبناني - الإيراني على لبنان ومخاطره على القطاع المصرفي.
ذلك أن المعلومات التي توافرت لـالمستقبل تؤكد أن مصرف لبنان المركزي ومعه كل المصارف اللبنانية لا يمكنها قبول أي تحويل مالي إيراني كما نقل النائب بطرس حرب عن الحاكم رياض سلامة. فيما تؤكد مصادر رفيعة في مجلس الإنماء والإعمار لـالمستقبل أن لبنان لم يتمكن من قبول كل القروض الإيرانية التي كانت مقررة لمشاريع الصرف الصحي والمسالخ والكهرباء (في الجنوب) بسبب العقوبات، الأمر الذي يطرح سؤالاً بديهياً: كيف يمكن تحويل الهبة الإيرانية إلى لبنان، أبواسطة تحويلات مصرفية وهي مخالفة صريحة للقرارات الدولية، أم بواسطة الشنطة, وهي عبارة عن تبييض أموال تحاسب بنتيجتها الحكومة اللبنانية والشركة المنفّذة، أم مجرّد دعاية انتخابية أرادها الوزير باسيل مع علمه المسبق أن تنفيذ هذا المشروع مستحيل؟
في المقابل، فإن تساؤلات تطرح عن خلفية هذا الكرم الإيراني في وقت يرزح الشعب الإيراني تحت خط الفقر، مع التراجع الكبير للريال الايراني الذي أثار زوابع اجتماعية داخلية.
ولا تتوقف الشبهات عند هذا الحد، بل إنّه منذ بداية التفكير بالمشروع، أثيرت علامات استفهام حول أسباب رفض باسيل المناقصة التي رست على شركة إده ـ معوض وطلبه هبة من إيران تفوق قيمتها قيمة المناقصة بسبعة ملايين دولار، وصولاً إلى بروز شبهات أخرى مع ظهور فضيحة تلزيم وزير الطاقة شركة تابان الإيرانية عقب التوقيع على الهبة الإيرانية، ومن ثمّ التناقض بينه وبين نظيره الإيراني، حول الجهة التي ستنفذ المشروع. إذ أوضح باسيل أن الحكومة الايرانية هي التي ستقوم عبر جهة تمثلها بعمليات الإشراف والتخطيط، على أن يلزم تنفيذ المشروع الى شركة لبنانية مصنفة في وزارة الطاقة، اي أن تنفيذ السد سيكون وفق الخبرة الايرانية ودفاتر الشروط اللبنانية مع إعطاء أولوية للشركة اللبنانية الفائزة بالمناقصة التي حصلت سابقاً. وهو التباس متعمّد لباسيل، خصوصاً أنّ الشركة الفائزة إده ـ معوّض أثارت في أكثر من كتاب موضوع التلزيم، مستفسرةً عن وضعها وحقوقها بهذا الشأن بعدما كانت إدارة المناقصات قررت في جلسة لها في 6 حزيران 2011 إرساء التلزيم عليها موقتاً، خصوصاً وأنّّها دفعت التأمين الموقت، في دفتر الشروط الادارية الخاصة، العائد للالتزام. ووفق الفقرة الثانية من المادة 12 من دفتر الشروط، فانه تم تحديد مهلة تصديق الالتزام بـ180 يوماً، اعتباراً من تاريخ جلسة إعلان اسم الملتزم الموقت، وانتهت المهلة في 3 كانون الاول 2011 من دون أن تبادر وزارة الطاقة الى إبلاغ الشركة قرارها تصديق التلزيم او عدمه.
مخالفة للقرارات الدولية
في هذا الموضوع كشف النائب بطرس حرب لـالمستقبل أنّه راجع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة عمّا إذا كان في إمكان المصارف اللبنانية تلقي تحويلات من إيران بموجب العقوبات المفروضة عليها، مؤكدا أنّ سلامة أبلغني بوضوح لا لبس فيه أنّ أيّ مصرف لبناني لا يمكنه تلقي أي تحويل إيراني بسبب العقوبات الدولية المفروضة على إيران، لأن في ذلك مخالفة للقرارات الدولية، كما أنّه يهدد القطاع المصرفي اللبناني بمخاطر.
وسأل حرب :كيف يمكن للحكومة اللبنانية أن تتجاوز القرارات الدولية، وتوافق على هذه الهبة الإيرانية؟ أضاف: إنّ توقيع هذه المذكرة، إنّما هو محاولة من الوزير باسيل لعرقلة مشروع السد، لأنه يعلم والعالم كله يعلم أن إمكان تنفيذ هذه الهبة مستحيل، سواء عبر التحويلات عبر المصارف أو بواسطة الأموال النقدية، حيث تسجل في خانة تبييض الأموال. وسأل: لماذا لم ينفذ وزير الطاقة والمياه المشروع بموجب المناقصة، التي رست رسمياً على شركة إده ـ معوض العام الفائت، علماً أن لدى الخزينة اللبنانية مبلغاً قدره 300 مليار ليرة، مخصص لتنفيذ السدود، ومن بينها سد بلعا. فلماذا الالتفاف على هذه المناقصة، والذهاب الى دولة تخضع لعقوبات دولية، هذا دليل واضح أن باسيل يعرقل المشروع لا أكثر ولا أقل.
المصارف تلتزم تطبيق العقوبات
الأمين العام لجمعية المصارف في لبنان مكرم صادر أشار في تصريح لـالمستقبل الى أن اي مصرف لبناني لم يبلغ عن هذا الموضوع. وقال: في المبدأ لا تحويلات بين المصارف اللبنانية وبين إيران، ونحن ملتزمون تطبيق العقوبات المفروضة على إيران.
ومن جهته، قال الخبير الاقتصادي إيلي يشوعي لـالمستقبل إن تحويل الأموال الإيرانية الى لبنان عبر المصارف أو أي مؤسسات مالية أخرى، ممنوع بموجب العقوبات المفروضة على طهران. أضاف: إذا تمّ تحويل المال الايراني بشنطة، فإن أعين المجتمع الدولي مفتوحة على لبنان، وأيضاً أستبعد ذلك. وأشار الى أنّه منذ الحصار الاقتصادي والمالي على ايران، فإن المصارف والمؤسسات المالية أوقفت التعامل مع نظيراتها الايرانية، كما أن لبنان أوقف التعامل مع المصارف والمؤسسات المالية السورية، والعقوبات الأميركية على إيران هي العقوبات نفسها التي تطال سوريا. وأكد يشوعي أن المصارف اللبنانية تلتزم العقوبات الأميركية والأوروبية على سوريا وإيران، لأن المصارف اللبنانية كانت حذرة جداً تجاه مصادر الأموال ولا تريد أن تتعرض لملاحقات من مصادر غربية، ولا تريد أن تتكرّر معها تجارب أحد المصارف اللبنانية.
ملاحظات
ويبدي عدد من الخبراء عدداً من الملاحظات حول سد بلعا. فمن الناحية الفنية، يقع في منطقة مليئة بالبواليع والفراغات، كما أن الأساس غير ثابت، فيما التكلفة باهظة في حال التأهيل، ولم تجر أية فحوص لسبر الأرض (SONDAGE)، والحل الفني المقترح لا يلحظ (CONCRET INJECTION).
أمّا من الناحية الفنية، فيرى هؤلاء، أنّ مخزون السد مليون متر مكعب بالقدرة القصوى، أي تكلفتها 40 مليون دولار، والغرابة أنّه تمّ تلزيم سد في الجزائر بسعة 60 مليون متر مكعب بقيمة 100 مليون دولار، ولبنانياً لزّم مشروع سد شبروح وسعته 10 ملايين متر مكعب بـ42 مليون دولار، بالاضافة الى تكلفة الاستملاك في الأراضي الخاصة.
ويشير الخبراء الى أنه من الناحية المناطقية، يعتبر مشاع منطقة تنورين من أكبر المشاعات في لبنان، والسؤال هو لماذا إنشاء سد في منطقة مملوكة من السكان ومزروعة بالأشجار المثمرة، التي من شأن إنشاء السد فيها تغيير معالم قرية وتهجير المزارعين، بالإضافة الى وضع اليد على نبعي المغراق والشيخ.
أمّا من الناحية السياسية، وهي الأهم، فإن تنورين تعتبر منطقة لا يمكن لـحزب الله وإيران دخولها، لعدم وجود أي مبرر لحضورهما فيها، خصوصاً وأنّ تنورين عانت من استشهاد أحد أبنائها النقيب الطيّار سامر حنّا على يد عنصر من حزب الله، وهذا الموضوع يشكل استفزازاً لأهل الشهيد وأهالي تنورين، بحسب أهالي المنطقة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.