اقتربت انتخابات نقابة المهندسين في طرابلس، من ساعة الصفر، على وقع الاصطفافات السياسية التي بدأتها قوى 8 آذار، معطوفة على الانقلاب الذي بدأته منذ 12 كانون الثاني (يناير) الماضي، على حكومة الرئيس سعد الحريري، للسيطرة على مقاليد السلطة في البلاد، على أن أغراض الانقلاب لم تنتهِ عند هذا الحد، بل استتبعت في كل المحافل النقابية، ومنها انتخابات نقابة المهندسين في طرابلس التي جند لها الانقلابيون الجدد بروباغندا إعلامية، حاضرة دائماً لنفث تعبئة حريبة لمعركة سياسية، متجاهلة أن المعركة نقابية بامتياز، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن هذه البروباغندا باتت تعرف في البيت أكثر من أهله، فذهبت تدرج ما يمكن تسميته ترهات تتحدث عن خلافات ضمن البيت الواحد وتحديداً تيار المستقبل للترشح على مركز النقيب، وهو ما تكذبه الوقائع الميدانية، وأن سفن المعركة ليست كما تجري رياح قوى 8 آذار السياسية.
ففي العاشر من نسيان (أبريل) تنتخب نقابة المهندسين في الشمال نقيباً خلفاً للنقيب الحالي جوزف اسحاق و4 أعضاء (2 للفرعين الثالث والرابع و2 للهيئة العامة)، ويخوض المعركة على مركز النقيب كل من النقيب السابق بشير ذوق المدعوم من قوى المعارضة الجديدة 14 آذار، والنقيب السابق عبد المنعم علم الدين مرشح الرئيس نجيب ميقاتي وتدعمه قوى الأكثرية الجديدة 8 آذار، بالإضافة الى المرشحين النقيب نبيل عدرة، جمال بدوي، وناهد غزال.
ومن هنا، يأتي اجتماع لجنة مهندسي تيار المستقبل بداية الأسبوع الحالي، ليؤكد وقوف التيار في المعركة الى جانب النقيب بشير الذوق، قولاً وعملاً بما لا يقبل التشكيك، إذ أن المرشحين جلال حلواني ومحمود الفوال، طويا ترشيحهما لصالح النقيب ذوق، ووقوفهما الى جانبه، ودعمه في هذه المعركة التي يراد لها أن تكون في خانة حسابات سياسية تصب في مصلحة الرئيس المكلف نجيب ميقاتي، المتعثر في تشكيل الحكومة، والمتعثر في لملمة الشارع الشمالي عموماً والطرابلسي خصوصاً، بعد الزيارة الناجحة لرئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري، التي أذهلت المراقبين، وهو ما استدعى تحركاً للقوى الانقلابية التي كشف عنها الغطاء الشعبي في العاصمة الثانية، يراد منه إعطاء ميقاتي و8 آذار لا النقيب علم الدين، موقعاً مهماً في الشمال، للقول بأنه يمسك ويمسكون بهذه النقابة أو تلك، ولو كان الأمر على حساب النقابة، ومن هنا كان ترشيح 14 آذار للنقيب المستقل ذوق مبني على حسابات مهنية ونقابية ترمي الى المحافظة على النقابة، وأن المعركة ليست لتسجيل انتصار سياسي، ولو كان الأمر كذلك، فإن تيار المستقبل كان سيرشح مرشحاً من ابنائه وهم كثر، لكن الأمر لا ينحصر في أفق ضيق، وهو ما يعززه ترشيح النقيب ذوق، فمن المعروف أن 14 آذار هي التي تسيطر فعلياً على نقابة مهندسي الشمال، وكان بامكانها أن تفرض مرشحاً سياسياً بلون معين، إلا أنها ارتأت أن تكون المعركة توحيد المهندسين وتطوير النقابة على أية حسابات أخرى.
وقالت المنسق العام لقطاع المهن الحرة في تيار المستقبل بشرى عيتاني، إنه يجب عدم الاستخفاف بالمعركة أو التقليل من حجمها. وأضافت نحن نؤمن بالديموقراطية، فلائحتنا قاب قوسين أو أدنى من إعلانها، لقد رشح التيار النقيب ذوق بدعم من حلفئنا في 14 آذار في مواجهة علم الدين الذي يحظى بدعم جلي وواضح من قوى 8 آذار (المردة، عمر كرامي، الصفدي.....وطبعاً ميقاتي)، وأكدت أنه ينبغي أن نعمل لتطوير النقابة، لما فيه من مصلحة واستمرار لمسيرة النهضة بهذا القطاع الحيوي في البلد.
لماذا تحولت المعركة سياسية؟
ففي العام 2005 كان تيار المستقبل داعماً للنقيب علم الدين في معركته على مركز النقيب وقد فاز على هذا الأساس، بيد أن ما تغير هو أن علم الدين أعلن ترشحه على مبدأ الاستقلالية، تبين أن هذه الاستقلالية بعيدة عنه، خصوصاً وأن القاصي والداني يعرف أنه محسوب على الرئيس ميقاتي، وفور ترشحه قام بزيارات سياسية بامتياز الى أركان المعارضة، جبران باسيل وسليمان فرنجية وعبدالله سعادة وغيرهم، وهو ما ينزع عنه صفة الاستقلالية، فكيف يطرح نفسه مرشحاً توافقياً من قبل الرئيس ميقاتي؟، وهو بخلاف الصورة التي أرادها تيار المستقبل، الذي أراد تجنيب النقابة صراعاً داخلياً، إذ تشهد أروقة النقابة ومهندسوها وعلى رأسهم النقيب علم الدين، أن قوى 14 آذار حين سيطرتها على النقابة كانت متعاونة مع الجميع دونما استثناء، واليوم أيضاً تؤكد موقفها الداعم للنقيب المستقل ذوق، وهو عنوان له دلالاته بأن لا مصلحة للشمال في صراع يأكل من رصيد النقابة أولاً، وتسجيل انتصار لقوى تريد وجهاً سياسياً للنقابة يتكامل تدرجاً مع صورة الانقلاب على الحكومة ثانياً، خصوصاً وأن الرئيس ميقاتي ليس لديه في مجلس النقابة سوى عضو واحد محسوب عليه هو باسم خياط، كما أن قاعدة المهندسين المؤيدين لميقاتي ومرشحه، تكاد تكون محصورة في المهندسين العاملين في مؤسساته وهم لا يتعدون بأفضل الأحوال 50 مهندساً، على أن حليفه في المعركة الوزير محمد الصفدي، لا تتعدى قاعدته داخل النقابة 30 مهندساً، وهو ما يفسر الاستدراك السياسي لعلم الدين في الخروج من مبدأ الاستقلالية، لجمع شمل المهندسين المحسوبين على قوى 8 آذار، وإدارة المعركة بهذه الروحية التي تستخدم فيها كل أنواع الدعاية المغرضة، لأن خسارة علم الدين في المعركة ستعني الكثير لهذه القوى وخصوصاً الرئيس ميقاتي، الذي يريد أن يمحو مشهد الزحف الشعبي الذي لقيه الرئيس الحريري في 18 آذار (مارس)، بتحقيق انتصار نقابي، ولذلك فإن الخسارة ستكون مدوية في عرين ميقاتي، وهي الكأس التي يحاول حلفاؤه أن يجنبوه تجرعها.
يمكن تظهير صورة نقابة المهندسين في الشمال، سياسياً أكثر وكيف ستؤول المعركة، ففي النقابة هناك 5000 مهندس مسجل في النقابة، لا يقترع منهم سوى عدد يراوح بين 1500 و1600 مهندس بأبعد تقدير، وذلك مبني على تجارب سابقة، إذ أنه في الانتخابات النقابية الماضية التي أتت بالمرشح جوزف اسحاق نقيباً (14 آذار) لم يقترع أكثر من 1500 مهندس، فهناك نحو 2000 مهندس يعملون في الخارج، و1500 مهندس منهم من لم يسدد اشتراكه ومنهم من لا تعنيه المعركة.
ومن ضمن 1600 مهندس، يستحوذ تيار المستقبل على ما بين 300 الى 400 مهندس، وكذلك القوات اللبنانية والكتائب ومجموعة بطرس حرب التي تملك نسبة مماثلة، وهما أكبر قوتين في النقابة، وهناك أيضاً المهندسين في زغرتا الذين ينقسمون ما بين قوتين سياسيتين لكل من تيار المردة والنائب نائلة معوض، فيما يملك الصفدي وميقاتي معاً نحو 80 مهندساً، إضافة الى كتلة عونية صغيرة، وتكتل مماثل للجماعة الاسلامية، وتكتل أكبر للمستقلين، وباختصار فإن قوى 14 آذار مجتمعة تمثل نسبة كبيرة من أصوات المقترعين في المعركة، وهو ما يعطي دفعاً معنوياً لهذه القوى التي أدارت محركات ماكينتها، لتقول إن المعركة ستنتهي قبل تبدأ في العاشر من نسيان (أبريل) الجاري، وهو ما يفسر غيابها عن الرد على الحملات الاعلامية التي تريد تحقيق مكاسب من خلال تهشيم صورة الآخر، بعد تيقنها من أن المعركة هي لمصلحة 14 آذار، بيد أن العمل جارٍ على قدم وساق للتحشيد وعدم الاستخفاف، وتفضل قوى 14 آذار ألا يلهيها أي شيء عن التحضير للمعركة. أما المرشح جمال بدوي الذي يحاول أن يرسم صورة للاستقلاليين من خلال التعاطي مع المهندسين من خلال الفايسبوك، فهو مرشح دائم على هذا المركز، فيما أن مرشح الجماعة الاسلامية ناهد غزال، يبدو ترشحه هو أقرب للمقايضة مع محاولة فرض مرشح عضوية في انتخابات نقابة المهندسين في بيروت، وتبدو معركته في انتخابات نقابة طرابلس مرهونة بمعركة النقابة في بيروت، وهناك المرشح النقيب السابق نبيل عدرة، الذي ليس لديه أي دعم يذكر. وعليه فإن المعركة ستكون بين المرشحين الأبرزين علم الدين وذوق.
ويقول مصدر في اللجنة الهندسية لتيار المستقبل، إن ترشيح ذوق بدأ من تيار المستقبل وليس من القوات اللبنانية الحليفة، وعليه فإن القوات سارعت الى مباركة هذا الترشيح وبالسير خلف المرشح ذوق داعمة ومؤيدة، وهذا يمثل أن التعاون هو من باب تحصيل الحاصل، وليس كما يريد البعض أن يصور أن التيار يمشي خلف القوات في هذا الترشيح، أما أن قوة التيار مستمدة في المعركة من خلال مهندسي المناطق وليس من مهندسي طرابلس، فهو غير صحيح بالمطلق، ذلك أن النقابة هي لكل الشمال ومن ضمنها العاصمة الثانية، فمهندسو طرابلس كما مهندسي المناطق لهم انتماءاتهم السياسية والأرجحية هي لقوى 14 آذار، ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال المعارك الماضية التي كانت فيها الغلبة لهذه القوى.
وإذا كان ترشح علم الدين قد بكر من تظهير المعركة سياسياً، فإن تيار المستقبل وحلفاءه قد دفعوا الى معركة يراد من خلالها إظهار الأحجام السياسية شمالاً، وعليه فإن الصورة ستظهر وبدقة في صندوقة الاقتراع، التي لن تؤثر فيها ترهات وتثبيط عزائم واللعب على وتر مناطقي وشخصي، لأن شد الأحزمة ورص الصفوف قد بدأ، وعلى مبدأ إذا كان الطرف الآخر يريدها معركة فلتكن.
ذوق: قرار المستقبل لمصلحة العمل النقابي
وتظهر السيرة الذاتية لنقيب المهندسين السابق بشير ذوق (1999-2002)، على المنحى التطويري الهندسي المعاصر الذي ينتهجه، ويستحوذ اهتمامه بالمهندسين الشباب بالاعتماد عليهم في تطوير النقابة على حيز مهم من برنامجه.
يؤكد ذوق أن في تيار المستقبل، كفاءات هندسية لا يمكن القفز من فوقها أو تجاهلها، وأن قرار ترشيحه من قيادة التيار وقوى 14 آذار لا يقلل من كفاءة أحد، الذين أبدوا كل تعاون وترحيب، وهو ما ينفي تأويلات استبقت قرار تيار المستقبل، تتحدث عن امتعاض أو هناك من هو ضدي، فتيار المستقبل قراره في مصلحة الجميع ويصب في إطار تعزيز المسار النقابي، وبدون شك الحظوظ كبيرة.
ويشير الى أن تحول القضية الى حال سياسية طبيعية، وهي ليست المرة الأولى، فالانتخابات النقابية تأخذ طابعاً سياسياً، لكن بعدها فإن من يصل الى مركز النقيب يعامل الجميع دون تمييز، وهذا معروف لدى النقباء السابقين، فالمنافسة شيء شرعي، وهي تأكيد للتطور المهني للانسان وما حققه من انجازات أو ما سيحققه، كنت نقيباً في السابق وبعد 12 سنة وجدت أنه يمكن المساهمة في خدمة النقابة أكثر. ويأخذ ذوق على بعض المرشحين اعتمادهم على برامج سابقة في حين أن الدنيا تتطور كل يوم، وخصوصاً مهنة الهندسة، ويقول منذ 30 سنة وأنا أدرس الهندسة، وهو ما أتاح لي التعامل مع الفئة الشبابية والحاجة الماسة لهذه المهنة، والدراسات المعاصرة لتطويرها، وانطلاقي للترشح هو الرغبة في المحافظة على النقابة.
لا يظهر النقيب ذوق عتبه على علم الدين كونه ترشح سريعاً، كونه قد دعمه في انتخابات العام 2005، ربما هناك قناعات معينة قد دفعته الى الترشح، وأياً تكن النتائج، فإننا لن نتأثر بها، فهناك صداقة وزمالة وقرابة تربطنا. لافتاً الى أنه لن يدعو أحداً للانسحاب لأن الانتخابات عملية ديموقراطية، والكل يحاول أن يظهر قناعاته.
وأوضح أن الانتخابات دائماً ما تحظى بنوع من الغطاء السياسي من كل الجهات، وهي ليست المرة الأولى التي تحصل ولكن علينا أن نوظفه إيجابياً بالمراحل التالية، فالمهندس ليس أسير النقابة، إنما يتعاطى مع المجتمع ولديه مطالب يحركها دائما (قوانين وقرارات ...)، ولا يتم تحريكها إلا عبر الجهات السياسية، لهذا دائما نقول ولو أن السياسة تلعب دور في العمليات الإنتخابية، ولكن كلنا نحاول أن نوظف هذا الدور السياسي لخدمة النقابة في المرحلة القادمة لتطبيق القوانين والقرارات ولنصل لمطالبنا عبر القوانين عبر السياسيين.
ويؤكد علم الدين على متانة التحالفات الداعمة له بدءاً من تيار المستقبل والقوات اللبنانية والكتائب واليسار الديموقراطي والنائب نائلة معوض وليس آخرهم معارفه الشخصية وصداقاته وغيرهم.
ويعرب عن ارتياحه لتذليل العقبات ولمسار المعركة، متوقعاً الحصول على أصوات كثيرة، مفضلاً عدم تقويم المرشحين، لأن الناخبين لديهم القدرة على ذلك من خلال الحكم على البرامج والانجازات. ويقول إن ما تكتبه بعض الصحف لا يحتاج الى تعليق.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.