أثير الكثير من اللغط حول أصول إنشاء الصندوق السيادي للثروة النفطية في لبنان، وبمعنى آخر فإن توزيع جلد الدب قبل اصطياده ومن ثم سلخه، جائز في توصيف حالة الصراع القائمة حالياً، حول الصلاحيات في قطاع يحوي توقعات وإمكانات كبيرة جداً.
وأما في ما يتعلق بالجدل الدائر بشأن إدارة القطاع، فإن النقاش البيزنطي حول جنس الملائكة، مضيعة للوقت، يمكن الاستدلال عليها من خلال السرعة التي تعد فيها إسرائيل بتوزيع ما لديها الآن من الغاز الطبيعي في 2012، وفي وقت تقترب فيه من الشواطئ اللبنانية، فيما لبنان يبعد عن النشاط الانتاجي في هذا المجال، ليس أقل من 8 سنوات، شرط توفر الاستقرار السياسي والأمني، وهذا منوط بالهدوء ليس في الداخل فحسب بل في المنطقة.
السؤال المطروح هل يمر مشروع قانون النفط في الجلسة العامة لمجلس النواب والمحددة في 17 آب (أغسطس) الجاري؟، وهل يستطيع لبنان اجتياز قطوع هاتين المسألتين العالقتين؟، وهل إن المتجادلين بأجناس الملائكة يعلمون أن إسرائيل تقترب شيئاً فشيئاً من شواطئنا اللبنانية لاستغلال الحقل الضخم الجديد للغاز الطبيعي مقابل شواطئ حيفا، نظراً لعدم وجود ترسيم واضح للحدود البحرية بين البلدين؟.
وزير الطاقة والمياه جبران باسيل، يريد حصر كل القرارات في قطاع النفط بشخصه، وبالتالي بعض هذه القرارات يأخذها منفرداً وبعض القرارات الأخرى يأخذها عبر مجلس الوزراء، معتمداً على قلة خبرة ومعلومات معظم الوزراء في هذا الحقل.
لذلك أعد قانون مستوحى بالأساس من مشروع قانون أعده سلفه آلان طابوريان مع النروجيين، ثم إستكمله فيما بعد، إلا أنه حرص في النص العربي الرسمي، على أن تكون هيئة إدارة قطاع البترول تابعة له ورأيها ذا طبيعة إستشارية، وبعبارة أخرى يستطيع أن يفعل أحد أمرين: إما أن يطلب منها أن تتخذ قرارت محددة يفرضها عليها، أو أن يأخذ قراراتها ذات الطبيعة الإستشارية ويضعها في الجارور أو في سلة المهملات.
كذلك اقترح أن يكون الصندوق السيادي المتعلق بعائدات النفط والغاز برئاسة رئيس الجمهورية، وهو يعلم جيدا أن هذا الإقتراح غير دستوري، لأن رئيس الجمهورية لا يستطيع أن يرأس فيها إجتماعا، وإذا كان رئيس الجمهوية رئيساً للمجلس الأعلى للدفاع والمجلس اللبناني-السوري، فهذان المجلسان لهما طبيعة سياسية دفاعية وليست تنفيذية. ولكنه أراد من خلال هذا الطرح الذي يعرف عدم دستوريته، أن يستنفر العصبيات الطائفية تحت عنوان صلاحيات رئيس الجمهورية، وطرح رأياً في الإعلام يقول أن الإنتساب والمصلحة قبل الدستور والقوانين.
وبالتالي فمن يعترض على هذا الإقتراح غير الدستوري إنما هو مع إضعاف صلاحيات رئيس الجمهورية، الذي هو أعلى مرجع مسيحي في البلاد. ومن هنا، تم إنجاز مجمل إقتراح القانون وهو المستوحى في القانون الذي سبق وأعده طابوريان، وبما أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يريد إنجاز القانون خلال الهيئة العامة في 17 آب (أغسطس) الجاري، طرح إمكانيتين بالنسبة لحسم بعض النقاط العالقة والمؤجلة:
-إما أن يطرح المشروع كما هو أمام الهيئة العامة وتتم مناقشة النقاط العالقة.
-وإما عقد جلسة ختامية للجان المشتركة تنجز المعلومات، على أساس الإطلاع على رأي اللجنة الوزارية خلال الإجتماع أو قبل ذلك. وقد تم تحديد الخيار الثاني في 12 آب (أغسطس) الجاري.
أما لجهة طرح الوزير باسيل فكرة تشكيل لجنة نيابية وزارية مشتركة، في 12 آب (أغسطس)، في محاولة لطرح مشروع القانون على الهيئة العامة بمادة وحيدة وبالتوافق السياسي والنيابي والتشريعي، فهذا الموضوع يطرح أكثر من علامة استفهام وسؤال، هل يكون هذا الطرح هو هروب من المناقشة أمام الهيئة العامة لمجلس النواب، خوفاً من ألا تجري الرياح النيابية بما لا تشتهي سفن الوزير؟.
لعلّ الاستكشاف هو الخطوة الأساسية في تنفيذ العقود المرتقبة بين لبنان والشركات النفطية التي سترسو عليها حقوق الامتياز للتنقيب والانتاج، ولكن يجب ألا ننسى أن الفترة الزمنية ليست بقصيرة وقد تطول الى 8 سنوات وهذه الفترة هي الفاصلة ما بين بدء استدراج العروض وعمليات بدء الانتاج التجاري، الذي من المزمع أن تبدأه اسرائيل خلال العام 2012.
الصندوق السيادي
وبالعودة الى الصندوق السيادي للثروة النفطية، كما ورد في المواد 2 و3 و4 من مشروع قانون النفط، الذي يناقش اليوم في مجلس النواب، فيقترح أن تنص هذه المواد على الآتي:
2-تودع العائدات المحصلة من قبل الدولة الناتجة عن الأنشطة البترولية أو الحقوق البترولية في صندوق سيادي.
3-يتولى إدارة الصندوق مجلس يسمى المجلس الأعلى لإدارة عائدات البترول يرأسه رئيس الجمهورية ويضم رئيس مجلس الوزراء، وزراء المال، الطاقة والمياه، الاقتصاد والتجارة، وحاكم مصرف لبنان. على أن يعاون المجلس جهاز من الخبراء في الاقتصاد والمال والاستثمار، ويرفع توصياته الى المجلس لاتخاذ القرار بشأنها، كما أنه يرفع تقارير دورية كلما دعت الحاجة لمجلس الوزراء، وتقارير سنوية لمجلس النواب.
4-يحدد نظام الصندوق ونظام إدارته، ووجهة استثمار وتوظيف واستعمال العائدات بموجب قانون خاص بالاستناد الى مبادئ وأسس واضحة وشفافة، تحتفظ من خلالها الدولة برأس المال وبجزء من إيراداته بمثابة صندوق للأجيال المقبلة، وتصرف الجزء الآخر من الايرادات وفقاً لمعايير تؤمن الانماء الاستثماري المتوازن من جهة، وتعمل على احتواء الدين العام من جهة ثانية، كما وتضمن هذه المبادئ حقوق الدولة، وتجنّب الاقتصاد الانعكاسات السلبية على المديين القصير والطويل، كل ذلك على أساس المحافظة على تلك العائدات باعتبار أن الموارد البترولية غير متجددة، وتشكل أصولاً تحولت من حالتها الطبيعية الى قيَم نقدية.
ويرى الخبير النفطي ومستشار لجنة الأشغال والطاقة النيابية ربيع ياغي، بأن موضوع الصندوق السيادي، خلافي غير مستعجل، أو بمعنى آخر هو خلاف على المسائل التقنية والآلية المتعلقة بعمليات التنظيم للصندوق، وهو غير مستعجل، إذ لا يمكن أن يكون قائماً طالما أن هناك مسافة زمنية لا تقل عن 8 سنوات للوصول الى النشاط الانتاجي للنفط، فهناك مراحل العروض والاستكشاف والتلزيم ومن ثم الاستخراج وبعدها العائدات المالية التي ستتأتى من عمليات البيع، فأين منها نحن اليوم. ولفت الى أنه لا خلاف من حيث المبدأ على مسألة قيام الصندوق، وإنما الخلاف تقني وبالتالي، يمكن الخلاص من هذا الموضوع الخلافي بتقديمه الى الجلسة العامة لمجلس النواب المقررة في 17 آب (أغسطس) الجاري، دون التفاصيل التي ستحال الى مراسيم إجرائية تقر لاحقاً في الحكومة.
ويرى أيضاً أن الخلاف في وجهات النظر التي سادت أيضاً بين النواب، في ما يتعلق بمسألة هيئة إدارة القطاع البترولي ينطبق عليها الحل عينه في مسألة تهريب التفاصيل التقنية الى مراسيم تتخذ تباعاً في مجلس الوزراء.
هيئة إدارة القطاع
وبالعودة الى النص المقترح في مشروع قانون النفط، توضح المادة العاشرة ماهية هيئة إدارة قطاع البترول:
1-تنشأ بموجب هذا القانون هيئة تسمى هيئة إدارة قطاع البترول تتبع الوزير مباشرة، تعين إدارتها من قبل مجلس الوزراء بناء على اقتراح الوزير وتناط بها الصلاحيات الواردة أدناه، وعلى أن يحدد نظامها وأصول عملها وأصول التوظيف وسلم الرتب والرواتب بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح الوزير، وتتولى:
أ-وضع دراسات لجهة الترويج للموارد البترولية المحتملة في لبنان.
ب-رفع تقرير الى الوزير حول تقويم مؤهلات وقدرات مقدمي طلبات الترخيص للحقوق البترولية.
ج-إعداد مشاريع دعوات المشاركة ودفاتر الشروط والتراخيص والاتفاقات المرتبطة بها وفقاً لأحكام هذا القانون.
د-التفاوض حول الاستكشاف والانتاج ورفع تقارير حول نتيجة هذه المفاوضات للوزير لاتخاذ القرار النهائي بشأنها.
ه-المتابعة والمراقبة والاشراف على الأنشطة البترولية وحسن تنفيذ التراخيص والاتفاقيات ووضع تقارير دورية فصلية بهذا الشأن ورفعها الى الوزير.
و-تقويم خطط تطوير الحقول ونقل البترول ووقف الأنشطة البترولية وإزالة المنشآت.
ويرى رئيس لجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه النيابية النائب محمد قباني، أننا إزاء هذا الموضوع، أمام جملة من الأسئلة، أولها يتعلق بماهية صلاحيات كل من هيئة إدارة القطاع والصندوق السيادي، كذلك أمام صلاحيات وزارة المال ووزارة البيئة كل لما يعود الى إختصاصه؟. ويشير قباني الى أن الوزير باسيل يصر على أخذ رأي وزيري المال والبيئة، على ألا يشركهما في اقتراح المراسيم التطبيقية العائدة للمجالين المالي والبيئي، وقال لقد اعترضت على ذلك خلال اجتماع مناقشة مشروع قانون النفط، فماذا يعني رأيهما من الناحية القانونية، هل رأيهما ملزم أم للإستشارة؟، هل مطلوب رأيهما دون الأخذ بهما؟، بل المطلوب هو توقيع الوزير المختص على أي مشروع مرسوم يعود لإختصاصه، فمثلا لا يجوز أن يصدر مرسوم متعلق برسوم مالية يعود الى شؤون النفط دون أن يكون مقترنا بتوقيع وزير المال منذ البداية، فيصدر بناء على إقتراح وزيري الطاقة والمال والبديل الوحيد المقبول، هو أن يكون الرأي الخطي لوزير المال ملزماً لوزير المال في إعداد إقتراح المرسوم، وذات الشيء بالنسبة لوزير البيئة في ما يعود للأمور المتعلقة باشأن البيئي.
أما في ما يتعلق بالصندوق السيادي والخلاف حوله، فيرى النائب قباني أنه بالنسبة للصندوق السيادي، فهو أمر غير عاجل، لأننا لن نستلم مردودات مالية قبل 6 أو 7 سنوات، لكن من حيث المبدأ يجب أن نحتكم الى الدستور اللبناني، كما كان يقول الرئيس فؤاد شهاب رحمه الله، مع تقديري الكبير والوطني ونزاهة فخامة الرئيس ميشال سليمان وموافقتي سلفا على ترؤسه الصندوق، إذا كان الدستور اللبناني يسمح بذلك، لأن الرئيس سليمان يشكل ضمانة كبرى من جميع النواحي.
وأوضح أنه خلال الاجتماع الأخير تم إقتراح تشكيل هيئة وزارية برئاسة رئيس الحكومة وعضوية الوزراء المختصين تتولى دراسة المشاريع المطروحة أمام مجلس الوزراء في ما يعود للنفط والغاز، قبل عرضها على المجلس، وبالتالي تهيئة كل المعطيات الفنية والقانونية لمجلس الوزراء من أجل حسم ذلك.
انجاز رسم خريطة المنطقة الاقتصادية
وإذا كان من المهم معرفة أن إسرائيل ستظل عينها على ثروات لبنان، وهو ما يستدعي التعجيل بتحديد المنطقة الاقتصادية للبنان، كي لا تمد إسرائيل يدها الى الأحواض المشتركة بينها وبين لبنان. فيوضح النائب قباني، أن الأمر أصبح شبه منجز، إذ أعدت لجنة فنية ألفها مجلس الوزراء، هذه الخريطة تحدد فيها المنطقة الإقتصادية الخالصة في البحر، وأتوقع أن تحال في وقت قريب جداً الى مجلس النواب، ومن ثم ترسل الى المنظمة الدولية.
وتوقع قباني إقرار قانون النفط خلال الجلسة العامة لمجلس النواب في 17 الجاري، لأن الرئيس بري مصر على انجازه في هذا التاريخ.
وإذا كان النقاش حول أصول انشاء صندوق ثروة سيادي لإدارة الايرادات التي ستتراكم من جراء استخراج بعد 8 سنوات، فإنه سفين برندت الباحث في معهد كارنيجي للشرق الأوسط، يرى أن هذا ...ليس سوى عدد قليل من القضايا التي يجد صانعو السياسات في لبنان أنفسهم أمامها عند مناقشتهم إنشاء صندوق ثروة سيادية للبلاد. ومع ذلك فإن الوقت إلى جانبهم، لأن في وسعهم أن يبنوا على الخبرات التي اكتسبتها بلدان أخرى في إيجاد الصيغة الصحيحة لإدارة ثروتها.









يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.