وضع الوزير عادل أفيوني خارطة طريق لأزمة الودائع ولإنقاذ القطاع المصرفي ونشرت في صحيفة "النهار" وجاء فيها:
فصل نشاط المصارف التجاري عن محفظتها السيادية اول مدخل لإعادة إطلاق العمل المصرفي: خارطة طريق لأزمة الودائع ولإنقاذ القطاع المصرفي

يستمر تدهور الوضع المالي والنقدي والاقتصادي بشكل غير مسبوق والنتيجة أزمة معيشية خانقة لا تحتمل يعاني منها كل الشعب اللبناني وان بنسب متفاوتة وفقر يتربص بأكثر من نصف اللبنانيين. الثمن الاجتماعي والمعيشي والاقتصادي لتفاقم الفقر باهظ وأثره على السلم الأهلي خطير وممكن ان يستمر لعقود قادمة.
ومن أبرز مظاهر هذه الأزمة الخانقة ما اسميه ظاهرة "الفقراء الجدد" وهؤلاء هم مئات الآلاف من المودعين في المصارف اللبنانية الذين انتقلوا بين ليلة وضحاها من اصحاب مدخرات إلى معوزين يحصلون على ودائعهم بالقطارة ويؤمنون حاجاتهم أو سير مؤسساتهم بشق النفس.
ودائع الناس ومدخراتهم وجنى عمرهم ومستقبل اولادهم مسألة حساسة ومصيرية لمئات الآلاف من المواطنين وعائلاتهم.
وهي مسألة مصيرية لمستقبل وديمومة القطاع المصرفي اذ لا قطاع مصرفي بدون مودعين وبدون ثقة ومصداقية.
وديمومة القطاع المصرفي بدورها مسألة مصيرية لمستقبل الاقتصاد وإعادة نهوض البلد اذ لا نمو اقتصادي ولا إنقاذ بدون مصارف فعالة تلعب دورها في تمويل الاقتصاد وحركة الأعمال.
اذاً الأزمة المصرفية الحادة لها ابعاد اجتماعية ومعيشية واقتصادية ومستقبلية خطيرة ومن هنا ضرورة معالجة هذه الأزمة في أسرع وقت والوصول إلى حلول فعلية وعملية. ومسؤولية الحكومة في تحقيق ذلك جسيمة والا فستبقى المصارف مشلولة وفي وضع الميت الحي او ما يسمى ال Zombie banks اَي مجرد صندوق يسحب منه المودعون أموالهم بالقطارة، خسائرها مختلف على تقييمها والبعض لا يعترف بها وميزانياتها مشكوك بشفافيتها وقدرتها هلى اعادة الرسملة وعلى تمويل الاقتصاد منعدمة.
ما هي خارطة الطريق المثلى لمعالجة الأزمة المصرفية بفعالية؟
اولاً: في الأهداف والمبادئ الاساسية التي يجب ان تتوخاها الخطة:
المبدأ الأول هو حماية صغار المودعين مهما كلف الأمر لان هذه مسالة عدل وقضية إنسانية ومسؤولية اجتماعية. وهذا لا يعني تسديد كل هذه الودائع غداً بل يعني ضمان هذه الودائع وحقوق أصحابها بالوصول اليها متى استحقت.
المبدأ الثاني هو احترام حقوق المودعين الآخرين بما فيهم كبار المودعين قدر الممكن وان كانت الخسائر لا مفر منها ومن واجبنا مصارحتهم بها. أغلبية المودعين الكبار أموالهم شرعية وكانوا خير دعم للبنان وهم مصدر تمويل للاقتصاد حاضرا ومستقبلا لا غنى لنا عنه والدفاع عنهم واحترام حقوقهم واجب.
المبدأ الثالث هو الاعتراف اليوم ان الخسائر في المصارف واقع لا يمكن نكرانه ولا حل فعلي إذا تجاهلناه. طبعاً سبب هذه الخسائر الأول هو عجز الدولة عن تسديد ديونها والفجوة الضخمة في ميزانية المصرف المركزي الا انها خسائر حصلت وتعويضها بكاملها مستحيل حتى إذا انتظرنا سنوات وسياسة النكران والتجاهل أو تقاذف التهم لا تجدي ولن تحل الازمة.
المبدأ الرابع هو انه صحيح ان القطاع المصرفي ارتكب اخطاء والمصارف (معظمها وليس كلها) تتحمل مسؤولية ضخمة وقد سخرت أكثر من سبعين بالمئة من أموال مودعيها لتمويل مدين واحد هو الدولة والمصرف المركزي مجتمعين مع علمها بالمخاطر العالية والوضع السيئ ووزعت هذه المصارف ارباحا دفترية غير محققة على مساهميها وموظفيها بما يتنافى مع مبادئ الحذر البديهية في العمل المصرفي وإدارة المخاطر.
لكن أكبر خطأ ترتكبه الدول التي تمر بأزمة مالية واقتصادية حادة هو عندما تخلط بين معاقبة المصرفيين المسؤولين عن الأخطاء وبين معاقبة القطاع المصرفي ككل.
إنقاذ القطاع المصرفي ضرورة وطنية وحيوية ولا اقتصاد ولا نمو بدون قطاع مصرفي سليم يلعب دوره في تمويل ودعم القطاعات الإنتاجية وحركة الاعمال. ان اعادة بناء القطاع المصرفي على أسس ورسملة متينة وبأسرع وقت هو شرط أساسي لأي خطة إنقاذية شاملة والمهمة لن تكون سهلة.
كيف نحقق ذلك؟
ثانياً في المنهجية الضروري اتباعها لإنقاذ القطاع المصرفي
انا اقترحت ان تكون الخطوة الأولى في أي عملية إصلاح مصرفي مهما كانت تفاصيلها هي ان يتم فصل نشاط المصارف المصرفي التجاري عن محفظتها السيادية ومعالجة كل جزء على حدة.
لماذا هذا الفصل ضروري وبم يساعد على تسريع وتفعيل إنقاذ القطاع المصرفي؟
لقد تحول القطاع المصرفي في السنوات الأخيرة عن دوره التقليدي والمفترض في تمويل الشركات والمؤسسات التجارية والأفراد إلى التركيز على تمويل الدولة والمصرف المركزي بشكل أساسي. وما دفعه إلى ذلك كان حاجة الدولة والمصرف المركزي الماسة إلى التمويل والفوائد المرتفعة والهندسات المالية المغرية والحوافز العالية التي وضعها المصرف المركزي أو قدمتها الدولة للحصول على هذا التمويل على حساب القطاع الخاص.
وإذ بالقطاع المصرفي اللبناني يتحول إلى قطاعين فعلياً:
الجزء الأول يشكل حوالي خمسة وعشرين بالمئة من ميزانية القطاع الاجمالية وهو عبارة عن محفظة المصارف من القروض بالدولار وبالليرة للقطاع الخاص والأفراد أي النشاط التجاري. هذا الجزء نسميه "القطاع الجيد". هذا هو النشاط المصرفي السليم والتقليدي ودوره التاريخي حيوي في تمويل الاقتصاد وحركة الأعمال والنمو وخلق فرص عمل.
اما الجزء الثاني وهو الذي تضخم بشكل غير مسبوق وغير منطقي حتى صار يشكل حوالي خمسة وسبعين بالمئة من أصول المصارف فهو محفظة المصارف السيادية اَي ديون المصارف للدولة وللبنك المركزي. في هذه المحفظة سندات الخزينة بالليرة وسندات اليوروبوند وشهادات ايداع مصرف لبنان وودائع المصارف لدى البنك المركزي بالليرة وبالعملات.
هذا ما نسميه "القطاع السيء" وقد حول هذا النشاط المصارف فعلياً الى صندوق سندات ضخم يستخدم اموال المودعين ليستثمر في المخاطر اللبنانية السيادية فقط لا غير وهي أدوات كما نعرف لم تعد الدولة ولا المصرف المركزي قادرة على تسديدها على المدى المنظور.
في هذا الجزء مكمن ازمة المصارف اللبنانية الأساسي وهنا موقع الخسائر الكبرى التي تثقل المصارف وهذا هو موضع الورم الذي يضرب الجسد المصرفي اليوم. لذلك من المنطق ان يتم استئصال هذا الورم عن بقية الجسد المصرفي وان تتم معالجته على حدة لأنه يتطلب وقتاً وجهداً ويرتبط بقدرة الدولة على اعادة هيكلة ديونها وتسديدها.
اما "القطاع الجيد" التجاري فهو لا يخلو من الخسائر طبعاً وخاصة مع تدهور الوضع الاقتصادي وموجة تعثر الشركات والأفراد الا ان نوعية هذه الخسائر وتوزيعها والضمانات المرهونة مقابلها وطريقة معالجتها مختلفة جدّاً عن طبيعة وحجم ومشاكل المحفظة السيادية. اعتقد انه من الممكن إنقاذ "القطاع الجيد" ونشاط المصارف التجاري ومن الممكن اعادة رسملته وإطلاقه على أسس شفافة ومتينة. وعملية الفصل هي الطريقة الأمثل لتحريره من عبء المحفظة السيادية الضخمة وإشكاليات معالجتها وسد خسائرها والطريقة الأسرع حتى يعود "القطاع الجيد" ليلعب دوره كاملا كمحرك للاقتصاد وللنمو وكمصدر وظائف لآلاف الطاقات البشرية في القطاع.
هذا الفصل بين القطاعين "الجيد" و"السيء" اعتمدته مصارف عالمية كثيرة بعد الازمة المالية في ٢٠٠٨ لتعالج محفظاتها المتعثرة بدون ان تعيق سير عمل نشاطاتها الاخرى المستدامة.
ومن الضروري التأكيد ان الفصل بين الجزئين لا يتعارض مع تفاصيل اَي خطة إنقاذية يتم الاتفاق عليها فهذا الفصل عبارة عن منهجية ومدخل إلى أي حل لازمة المصارف وهو يعتمد على مبدأ اساسي علمي وهو ان تجزئة المشكلة المصرفية الى قسمين هو الطريق الامثل لمعالجة كل جزء بفعالية.
ثالثًا كيف تتم عملية الفصل المقترحة اعلاه وما هو مصير المودعين في هذه العملية؟
من الضروري توخي الدقة والعدالة والقيام بعملية الفصل بأسلوب علمي وشفاف فالشيطان يكمن في التفاصيل.
وإذا كانت هذه التفاصيل خارج إطار هذا المقال الا انني سأحاول ان اشرح ادناه الخطوط العريضة التي اقترح الالتزام بها للوصول الى الهدف المنشود.
يقدر اجمالي الاصول التجارية في القطاع المصرفي بحوالي ٤٥ مليار دولار (بالسعر الرسمي للدولار) قبل الخسائر ويتضمن هذا المجموع القروض التجارية بالدولار وبالليرة اللبنانية.
نقترح ان تفصل هذه الأصول في كل مصرف على حدة الى ما سميناه "القطاع الجيد" وهذا ما سيشكل نواة القطاع المصرفي اللبناني الجديد. حجم "القطاع الجيد" يتناسب مع حجم الاقتصاد وخسائره بالرغم من ارتفاعها معقولة وممكن معالجتها ومقابلها عقارات او ضمانات ودور هذا “القطاع الجيد” أساسي لا غنى عنه في تمويل الاقتصاد والقطاعات المنتجة ودعم النمو. لذلك من الممكن إذا بذلنا الجهد اعادة هيكلة ميزانية القطاع الجيد مصرفاً مصرفاً بشفافية ومن الممكن عندها إقناع المستثمرين بديمومته وجدواه الاقتصادية ومن الممكن بالتالي اعادة رسملته واستقطاب استثمارات لدعمه على ان يتزامن ذلك مع عمليات دمج بين المصارف لتخفيض مجموع عدد المصارف.
ضروري ان تتم رسملة “القطاع الجيد” بأموال جديدة ومن الخارج وان تتبع عملية الرسملة تراتبية عادلة. اما مصدر الاكتتاب فممكن التوجه الى المغتربين والمواطنين والى المؤسسات الاستثمارية الدولية وإذا كانت هناك حاجة فعلى المساهمين الحاليين الاكتتاب من اموال جديدة ومن ارباحهم التي حولت الى الخارج.
اما من ناحية الودائع فيمكن "للقطاع الجيد" استيعاب مقدار معين من المودعين نسبة الى اصوله. وإذا اعتبرنا قيمة الودائع الممكن استيعابها في "القطاع الجيد" حوالي ٤٠ مليار دولار وهذا مجرد تقدير اولي، اذاً يمكن ان يتم نقل هذا المبلغ من الودائع الحالية الى "القطاع الجيد".
عملية نقل الودائع الى "القطاع الجيد" يجب تتم بشفافية وانصاف وان تتبع منهجية عادلة وخيارية
على سبيل المثال ممكن ان يتم نقل اول ١٠٠ ألف دولار من كل الودائع الحالية الى "القطاع الجيد" اذ تبلغ القيمة الاجمالية لهذه الودائع تحديداً حوالي ال ٤٠ مليار حسب تقديري.
او ممكن ان يتم توزيع الودائع على "القطاع الجيد" بصورة مختلفة يتم الاتفاق عليها على ان تعطى الافضلية لصغار المودعين وتعطى حصة لكبار المودعين كذلك.
وبكل الاحوال يجب ان نحترم في اي عملية توزيع للودائع على القطاع الجيد الشروط التالية:
١-تستثنى من التوزيع اي وديعة مشكوك بمصدرها
٢- تشرف على عملية التوزيع وعلى القطاع المصرفي الجديد هيئات رقابية جديدة بشفافية قصوى.
٣- يتزامن مع هذه العملية اقرار قانون رفع السقف الاعلى لضمان الودائع الى ١٠٠ ألف دولار وتتم زيادة رأسمال مؤسسة ضمان الودائع على هذا الاساس لتتمكن من تامين ذلك.
٤- توازن الاصول والمطلوبات بالعملات
بهذه العملية نكون قد أعدنا إطلاق القطاع المصرفي ونشاطه التجاري التمويلي وطاقاته البشرية وحررناه من اعباء المحفظة السيادية الضخمة ليلعب دوره الحيوي كمحرك للاقتصاد.
ونكون قد حمينا صغار المودعين ونقلنا ما استطعنا من الودائع الى قطاع مصرفي سليم رسملته متينة وامكانياته واعدة.
رابعاً ماذا عن محفظة المصارف السيادية وباقي الودائع؟
تبلغ القيمة الاسمية لمحفظة المصارف السيادية او ما سميناه "القطاع السيء" حوالي ١٤٠ مليار دولار وفيها سندات اليوروبوند وسندات الخزينة بالليرة وشهادات الايداع والودائع لدى مصرف لبنان.
اما القيمة الفعلية لهذه الاصول فهي مرتبطة بقدرة الدولة والمصرف المركزي على تسديد استحقاقاتها والفجوة بين الاثنين ضخمة وهذه الفجوة هي اليوم خسائر المودعين.
ما نقترحه هو ان تنقل ملكية محفظة المصارف السيادية الحالية هذه من المصارف الى المودعين مباشرة وذلك عبر صندوق جديد يتم تشكيله لهذا الغرض.
يصبح هذا الصندوق أكبر دائن للدولة وتتم ادارته بشفافية ومهنية من مؤسسة متخصصة مهمتها التفاوض مع الدولة على اعادة جدولة وهيكلة الادوات التي تحملها لتحصّل أكبر قدر ممكن من هذه المحفظة وان بالتقسيط.
وتستبدل الودائع التي لم تنتقل الى "القطاع الجيد" بحصص مباشرة في الصندوق فيصبح هؤلاء المودعين دائن مباشر للدولة وهذا ما يحسن من وضعيتهم اذ يجعلهم في مرتبة اعلى في افضلية تسديد ديون الدولة. عملياً عِوَض ان تكون لهؤلاء المودعين ودائع في مصارف لم تعد تملك سوى محفظتها السيادية، وعوض ان يكون المصرف هو الوسيط بينهم وبين الدولة في التفاوض على تسديد هذه الودائع، تصبح علاقة المودعين مباشرة مع الدولة عبر الصندوق وحقوقهم مع الدولة مباشرة شانهم في ذلك شان دائني الدولة الآخرين.
وممكن ان يتم ادراج الصندوق في بورصة بيروت وهذا ما يمنح المساهمين فيه سيولة نسبية إذا احتاجوا الى ذلك.
طبعاً هذا الحل لا يعني ان الخسائر ستعوض لكن ذلك يعني ان مسؤولية تسديد الودائع وتخفيف خسائر هؤلاء المودعين فعلياً وقانونياً تنتقل مباشرة من المصارف الى الدولة وهذا ما يزيد من الحوافز والضغط على الحكومات القادمة لإجراء الاصلاحات المالية الاساسية المطلوبة واعادة هيكلة القطاع العام وتحسين المالية العامة حتى تتحمل مسؤولياتها تجاه المودعين وهم شريحة مهمة من الشعب اللبناني.
كما ان ذلك سيتيح للدولة ان تمنح هذا الصندوق مباشرة حوافز اضافية للحد من خسائره. مثلاً ممكن ان تعطي الدولة الصندوق عقود مرتبطة بمعدل النمو اي ايرادات اضافية إذا تحسن النمو الاقتصادي وهو ما يسمى GDP Warrants او عقود تمنحه حوافز للمشاركة في عمليات الخصخصة إذا ما تمت وهو ما يسمى Privatisation warrants الخ
وجدير بالذكر ان اي إجراء لاسترجاع الفوائد العالية التي دفعت في السابق او استرجاع الارباح المفرطة في المصارف ممكن ان تصب مباشرة في هذا الصندوق وبالتالي تنعكس فائدة على المودعين المساهمين في الصندوق.
اما الفكرة المطروحة من البعض ان تمنح الدولة هؤلاء المودعين حصصاً مباشرة في أصول الدولة او في الاموال المنهوبة المسترجعة إذا ما تم ذلك فهذا التدبير لا يجوز. كما قلنا سابقاً ان اصول الدولة هي حقً لكل اللبنانيين واي تخصيص لهذه الأموال لتسديد ديون الدولة الى المصارف او الى المودعين غير عادل. طبعاً الدولة مسؤولة عن ديونها لكنها كذلك مسؤولة عن حاجات كل المواطنين الاخرى ومنها الضمان الاجتماعي والصحة والتعليم والبنى التحتية والبيئة الخ. كل هذه مسؤوليات مهمة تجاه المواطنين قصرت الدولة في تلبيتها على عقود. اذاً يجب استخدام ايرادات الدولة من اي عملية ييع أصول او استرداد أموال منهوبة إذا تمت فعلاً بإنصاف بين كل هذه المسؤوليات الحيوية وبين كل المكونات الاجتماعية وكبار المودعين هم جزء من هذه المكونات ولكن لا يجوز اعطاءهم الاولوية.
وتستمر ادارة هذا الصندوق الى ان يحصّل أكبر قدر ممكن من استحقاقات محفظته والى ان يتم الاتفاق النهائي على اعادة جدولة وهيكلة الدين العام بما فيها ديون مصرف لبنان.
اخيراً ماذا عن المساهمين؟
في اي نظام راسمالي يتحمل المساهمون الخسائر وتعطى الافضلية للمودعين اولاً وهذا امر لا يختلف عليه اثنان.
ما يختلف عليه اليوم المعنيون هو قيمة هذه الخسائر وضرورة الاعتراف بها الآن او لاحقاً وهو نقاش غير مجدي عملياً الآن لأنه مرتبط بقدرة الدولة على تسديد استحقاقاتها مستقبلاً.
لذلك انا اقترح ان يستوعب رأسمال المصارف الحالي خسائر "القطاع الجيد" اولا وبكاملها وهي تقدر بحوالي ١٠ مليار دولار وربما اقل. طبعاً بذلك يخسر المساهمون الحاليون حصتهم في "القطاع الجيد" ولكن ممكن ان يعطوا الحق بالاكتتاب في هذا "القطاع الجيد" مجدداً شرط ان يحولوا اموالاً من الخارج من ارباحهم الماضية.
اما ما تبقى من رأسمال المصارف بعد هذه العملية فيصبح حصة المساهمين الحاليين في "القطاع السيء" اي صندوق المحفظة السيادية على ان لا تستحق هذه الحصة الا بعد ان يستعيد الصندوق اموال المودعين فيه كاملة. طبعاً هذا مستبعد جداً ان لم يكن مستحيل لكنه يحفظ حقوق المساهمين الحاليين بطريقة علمية لا لبس بها.
خامساً وختاماً
الاقتراح اعلاه هو عبارة عن منهجية او خارطة طريق تفصل نشاط المصارف التجاري عن محفظتها السيادي كي يبنى على ذلك حل مستدام وعادل للازمة المصرفية وهذه المنهجية من شانها ان تحقق الاهداف الاساسية التالية:
١- ضمان صغار المودعين عبر نقلهم الى قطاع مصرفي جديد وسليم وفعال حجمه أصغر ورسملته اعلى وعبر زيادة سقف ضمان الودائع لحمايتهم بالقانون كذلك.
٢- احترام حقوق المودعين الباقين عبر تحسين رتبتهم في افضلية تسديد الدين العام واستبدال حقهم على المصارف وهي مصارف لم تعد تملك سوى سندات وادوات سيادية بحق مباشر على الدولة.
٣-ضغط مباشر على الدولة لإجراء الاصلاحات المالية الضرورية واعادة هيكلة ماليتها عبر صندوق محفظة المصارف السيادية وقد صار ملك المودعين مباشرة اي جزء كبير من عامة الشعب. هذا الصندوق يصبح الدائن الاكبر للدولة عوضاً عن البنوك وبالتالي المفاوض الاهم لها عوضاً عن المصارف.
٤- تحرير القطاع المصرفي من اعباء المحفظة السيادية المتعثرة واعادته الى دوره التقليدي في تمويل النشاطات التجارية وإطلاق دورة النمو الاقتصادي عبر توفر السيولة وتخصيصها للقطاعات الانتاجية.
٥-تحميل المساهمين الحاليين خسائر نشاط المصارف التجاري كاملة وهذا طبيعي واعطاؤهم حق في ايرادات محفظة المصارف السيادية بعد ان يتم تسديد كل الودائع وهذا امر منصف للجميع.
٦- هذا الاقتراح لا يتعارض مع محاسبة المسؤولين عن الازمة المصرفية ولا مع اي جهود لاستعادة الفوائد الباهظة المدفوعة او الاموال غير المشروعة من القطاع المصرفي.
طبعا شروط كثيرة تعترض نجاح مثل هذه الخطة وانا لا ادعي ان هذا الحل يمكن ان يلغي الخسائر بل هو الطريق الامثل لمعالجتها.
واهم الشروط الضرورية لتنفيذ هذه الخطة هي:
١- لا انقاذ مصرفي بدون خطة اصلاحية اقتصادية شاملة بما فيها اعادة هيكلة القطاع العام ومالية الدولة والقطاع المصرفي هو المحرك والوسيلة اما الغاية العليا فهي النمو الاقتصادي والقطاعات الانتاجية.
٢-لا نجاح للخطة بدون توفر السيولة الخارجية لدعمها ومن هنا ضرورة نجاح التفاوض للحصول على دعم مادي خارجي من ضمنه رسملة "القطاع الجيد".
٣- لا نجاح بدون قضاء مستقل وهيئات رقابية جديدة وشفافة تحمي المودعين والمستثمرين وتستعيد الثقة بهذا القطاع.
هذه الازمة هي الثمن الذي ندفعه لسنوات من سوء الادارة المالية والهدر والعجز والاستدانة المفرطة بلا محاسبة.
اليوم مصير المجتمع اللبناني والمواطن اللبناني والاقتصاد اللبناني على المحك.
وسياسات النكران وربح الوقت التي شهدناها سابقاً لم تعد تجدي.
المطلوب قرارات جريئة وفعالة وعملية لإنقاذ لبنان قبل فوات الاوان وهذا الاقتراح لإنقاذ القطاع المصرفي واموال المودعين هو من ضمن سلسلة القرارات الجريئة العملية الجديرة بالبحث لحماية المودعين قدر المستطاع واعادة إطلاق العمل المصرفي المنتج في أسرع وقت.
صحيفة "النهار"




يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.