8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ميزة الأداة التي اسمها ميشال عون...

يصعب التأريخ للأحداث التي مر بها لبنان منذ توقيع اتفاق الطائف في خريف العام 1989 من دون التوقف عند الذي حصل يوم الثالث عشر من تشرين الأوّل 1990.
يومذاك سمحت الولايات المتحدة للنظام السوري بالانتهاء من تمرّد العماد ميشال الذي جاء الى قصر بعبدا ليكون رئيساً موقتاً لحكومة هدفها الإعداد لانتخاب رئيس جديد للجمهورية. كان ذلك خطأ من قبل الرئيس أمين الجميّل الذي أعتقد أن عون سيعمل على انتخاب رئيس للجمهورية بعدما تعذّر ذلك قبل انتهاء الولاية الدستورية لرئاسته. احترم الرئيس أمين الجميّل الدستور وخرج من قصر بعبدا يوم انتهاء ولايته وترك لعون، الذي كان قائداً للجيش، العمل كرئيس موقت لحكومة مهمّتها انتخاب رئيس جديد.
ما دفع الولايات المتحدة الى السماح للنظام السوري باستخدام سلاح الجوّ في لبنان انضمام الأسد الأب الى التحالف الدولي الذي سيتولى لاحقاً إخراج صدّام حسين من الكويت التي احتلّها جيشه في الثاني من آب- أغسطس 1990.
من الناحية النظرية، لم يكن ميشال عون في تلك المرحلة سوى أداة من أدوات صدّام حسين، الذي وفّر له كلّ الدعم في سياق سياسة عراقية تتميّز أول ما تتميز بالغباء وقصر النظر وجهل بالتوازنات الإقليمية والدولية.
كان عون في واقع الأمر أداة سورية تؤدي الدور المطلوب منها في كلّ وقت من الأوقات ومتى تطلّبت المصلحة السورية ذلك. هل من خدمة للنظام السوري، في العامين 1989 و1990، أكبر من خدمة إدخال الجيش اللبناني، الذي كان على رأسه ميشال عون، في مواجهة مع القوات اللبنانية التي لم تكن، وقتذاك، سوى ميليشيا من الميليشيات اللبنانية، وذلك بهدف إخضاع المناطق المسيحية كلّها للنظام السوري لا أكثر ولا أقلّ؟
دخل ميشال عون قصر بعبدا بطريقة شرعية وخرج منه بشكل مذلّ إذ فرّ الى منزل السفير الفرنسي بعدما عمل كلّ ما يستطيع من أجل خدمة النظام السوري الذي استطاع يوم 13 تشرين الأوّل- اكتوبر 1990 الدخول للمرّة الأولى منذ استقلال لبنان الى مقر رئاسة الجمهورية في بعبدا والى وزارة الدفاع اللبنانية في اليرزة.
أدّى ميشال عون المطلوب منه في مرحلة معيّنة ثم لجأ الى فرنسا بعدما أمضى فترة في حماية السفير الفرنسي في لبنان وكان اسمه رينيه آلا. تلك باختصار قصة ميشال عون الذي حال دون دخول الرئيس رينيه معوّض، المنتخب شرعياً رئيساً للبنان بعد إقرار اتفاق الطائف، الى قصر بعبدا. احتلّ الجنرال قصر بعبدا حتى تشرين الأوّل 1990. حال دون وصول رينيه معوّض اليه كي يسهل اغتياله على يد النظام السوري الذي رفض في العمق اتفاق الطائف وسعى الى تطبيقه بالطريقة التي يريدها. كان رينيه معوّض عقبة في وجه تطبيق اتفاق الطائف على الطريقة السورية. ولذلك كان لا بدّ من التخلّص منه يوم الثاني والعشرين من تشرين الثاني- نوفمبر 1989. لم يكن مطلوباً التخلّص من رينيه معوض فحسب، كان مطلوباً أيضاً أن تكون المناطق ذات الأكثرية المسيحية في لبنان تحت سيطرة الجيش السوري. هذا ما أستطاع ميشال عون تأمينه في الثالث عشر من تشرين الأوّل 1990 عندما مكّن الجيش السوري من دخول قصر بعبدا ووزارة الدفاع.
الى الآن، لم يتغيّر شيء في لبنان. لا يزال ميشال عون أداة سورية. ربّما كانت ميزته الوحيدة مقارنة مع الأدوات الأخرى أنه قابل لإعادة التأهيل من جهة وللتنقل بسهولة لا توصف بين الحضنين السوري والإيراني من جهة أخرى. إنه يصلح لكلّ المناسبات والفصول ما دام الهدف تهجير أكبر عدد من اللبنانيين من لبنان.
تشير الأرقام الى أن أكبر هجرة للبنانيين في العصر الحديث، وللمسيحيين خصوصاً، حصلت في مرحلة وجود ميشال عون في قصر بعبدا بين العامين 1988 و1990. تلت ذلك هجرة أخرى في 2006 و2007 عندما افتعل حزب الله حرباً مع إسرائيل ثمّ انطلق من هناك للاعتصام في الوسط التجاري لبيروت استكمالاً للحرب الإسرئيلية على لبنان. كان ميشال عون، ولا يزال الى اليوم، الحليف الأوّل لـحزب الله الإيراني في عملية تدمير لبنان وإفقار اللبنانيين وتهجيرهم ونشر البؤس وتدمير مؤسسات الدولة. لا استعمال يذكر له إلاّ في هذا الحقل الذي برع فيه على نحو استثنائي.
كلّما مر يوم يتبيّن مدى الأذى الذي ألحقه ميشال عون بلبنان واللبنانيين، خصوصاً المسيحيين منهم. يكفي أنّه سمح للجيش السوري في مرحلة ما بعد 1990 بوضع يده على كلّ الأراضي اللبنانية كي لا يعود هناك ملجأ لمعارض، أو حتى لمعترض مسيحي أو مسلم على الوصاية السورية.
في السنة 2012، يتابع هذا الشخص مسيرته الهادفة الى تفتيت الوطن الصغير. لا شكّ أنه مؤذٍ لبلده ومواطنيه. لكنّ ما يدفع الى بعض التفاؤل أن كلّ رهاناته كانت خاطئة. راهن على صدّام حسين وهو يراهن الآن على بشّار الأسد وعلى حزب الله. رهانات ميشال عون تشير الى أن الرجل مريض، لكنّ المشكلة في أن لبنانيين مسيحيين ما زالوا يؤمنون به. هل هذا ذنبهم أم ذنبه... أم ذنب انعدام الثقافة السياسية لدى كثيرين أعمتهم الطائفية والمذهبية والغرائز البدائية لا أكثر ولا أقلّ؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00