8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

النتيجة المضمونة للتصعيد السوري مع تركيا

الى متى يمكن للنظام السوري الهروب الى خارج؟ هرب الى لبنان. هرب الى الاردن. هرب الى فلسطين. هرب الى العراق. في كلّ محاولات الهروب هذه، كان الفشل نصيب النظام السوري. كلّ ما استطاع عمله هو خلق متاعب للبنانيين والاردنيين والفلسطينيين والعراقيين. الجديد في الامر انّه يحاول حاليا، في استعادة للماضي القريب، الهرب الى تركيا، الدولة الاطلسية التي سعى الى التقرب منها من اجل تأكيد انه قوة اقليمية قادرة على اللعب على التناقضات في المنطقة والاستفادة منها الى ابعد حدود!
حاول النظام السوري وضع لبنان تحت جناحه. لا داعي الى استعادة تاريخ النظام السوري مع لبنان الذي لم يخدم في نهاية المطاف سوى اسرائيل التي استهدفت دائما الجنوب اللبناني وارادت ان يكون مسرحا خارج سيطرة الشرعية اللبنانية وجيشها تستخدمه في الظهور في مظهر الدولة المهددة من عدوّ عربي...
في الوقت نفسه، سعى الى ان يكون مرجعية الشعب الفلسطيني بحجة ان القرار الفلسطيني المستقل بدعة على تعبير الرئيس الراحل حافظ الاسد.
الى ذلك، كان يتحرّش بالاردن باستمرار. عمل في كلّ وقت على زرع بذور عدم الاستقرار في المملكة معتقدا ان ذلك يعزز دوره الاقليمي، الذي هو مجرّد وهم قبل ايّ شيء آخر.
وفي العراق، جعل من العداء لنظام صدّام حسين مادة استثمرها للتقرّب من اهل الخليج وابتزازهم. وبعد سقوط صدّام حسين على يد الاميركيين، اراد ابلاغ كلّ من يعنيه الامر انّه شريك في رسم مستقبل البلد الجار وانه قادر في كلّ وقت على تصدير الارهاب والارهابيين اليه. نسي ان الاحتلال الاميركي للعراق مهّد في الواقع لتسليمه الى الايرانيين الذين لعبوا اللعبة الطائفية والمذهبية بطريقة اقلّ ما يمكن ان توصف به انّها ذكيّة. خرج الايرانيون، بفضل الميليشيات المذهبية التي صنعوها، الرابح الاوّل من الحرب الاميركية على العراق. اسقطوا عدوّهم التاريخي من دون اطلاق رصاصة واحدة بفضل الغباء الاميركي المنقطع النظير. وضع الايرانيون يدهم على العراق ولم يتركوا للنظام السوري سوى فتات الفتات، بل تركوا له التحدث عن دور ما ليس موجودا سوى في المخيلات المريضة.
في كلّ ما له علاقة من قريب او بعيد بتركيا، كانت الامور مختلفة. يتجاهل النظام السوري الاسباب التي دفعته الى السعي الى انهاء الخلافات معها. يتجاهل خصوصا انه لم يزل اللواء السليب (لواء الاسكندرون) من كتب التاريخ السورية ومن خريطة الجمهورية العربية السورية الاّ بعدما تأكد من جدية الاتراك في القضاء على كل ما من شأنه ان يكون مصدر تهديد لامنهم.
امضى النظام السوري سنوات عدة ينفي ان عبدالله اوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني الذي يخوض رجاله حربا مع الجيش التركي، مقيم في دمشق. رفض النظام كل الادلة التي قدّمها له الاتراك، بما في ذلك ارقام الهاتف التي طلبها الزعيم الكردي من شقته الدمشقية. عندئذ، طفح الكيل في انقرة التي انذرت دمشق بان الجيش التركي سيدخل الاراضي السورية من الشمال وسيخرج من الجولان. تبيّن مع الوقت ان تلك اللغة الوحيدة التي يفهمها النظام السوري الذي ما لبث ان طرد اوجلان من اراضيه لينتهي الرجل، بقدرة قادر، في سجن تركي لا يزال مقيما فيه منذ العام 1999.
من الواضح ان النظام السوري لم يتعلّم شيئا من الدرس التركي. لو تعلّم شيئا، لكان الرئيس بشّار الاسد استفاد من التجربة التركية التي تطوّرت مع الوقت وصولا الى ما هي عليه الآن. لو تعلّم شيئا، لكان عرف ان لا مجال للتذاكي على الاتراك وان التنازل النهائي عن لواء الاسكندرون بداية وليس نهاية وان المطلوب استتباع ذلك باعتماد سياسة واقعية. تقوم هذه السياسة الواقعية على التوقف عن ممارسة لعبة الارهاب، بما في ذلك المباشرة في الانسحاب من لبنان عسكريا بدل التمديد لاميل لحود والتخلص من الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في شباط- فبراير من العام 2005 ومتابعة ارسال ارهابيين الى العراق، وذلك على سبيل المثال وليس الحصر طبعا.
ان لجوء النظام السوري الى التصعيد مع تركيا في هذه الايّام دليل على انه لا يمكن ان يتغيّر. انه نظام يرفض الاعتراف بانه انتهى وان التصعيد المباشر مع الاتراك واستخدام الورقة الكردية ضدهم في الوقت ذاته لا ينفعان في شيء. قد يستفيد النظام السوري من ضغوط يمكن ان تمارسها الادارة الاميركية لمنع تركيا من الرد بقوة على الاعتداءات التي تعرّضت لها. هناك اسباب ذات علاقة بالانتخابات الرئاسية الاميركية قد تدعو واشنطن الى ممارسة ضغوط على انقرة كي تمارس ضبط النفس، ولو موقّتا. ولكن في نهاية المطاف، لم يعد مطروحا سوى سؤال واحد هو كيف سينتهي النظام السوري، خصوصا ان الانتخابات الرئاسية الاميركية على الابواب؟
هل يمكن ان تجد العائلة الرئاسية مكانا تلجأ اليه قبل فوات الاوان ام ان مصير افرادها سيكون مصير صدّام حسين ومعمّر القذّافي؟
يبدو واضحاً ان مثل هذا المصير وارد جدّا، اقلّه لسسبب واحد يتمثّل في رفض تعلّم شيء من التجربة التركية اضافة الى انه يظهر ان هناك قوى، مثل ايران، تدفع دمشق في اتجاه التصعيد.
ليس ما يشير الى ان نتيجة التصعيد السوري مع تركيا في السنة 2012 ستكون مختلفة عن التصعيد الذي كان يمارس في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. انها نتيجة مضمونة، خصوصا اذا اخذنا في الاعتبار ما آلت اليه الاوضاع الداخلية في بلد كان الى الامس القريب يعتقد نفسه اللاعب الاساسي في الشرق الاوسط!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00