8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

لا يمكن استعادة النظام السوري من إيران...

ما نقرأه هذه الايّام من تصريحات تصدر عن مسؤولين ايرانيين بين حين وآخر هو تتويج للعلاقة القائمة بين دمشق وطهران ولطبيعة هذه العلاقة. فكلّما مرّ يوم، يتبيّن كم ان النظام السوري متورّط مع النظام الايراني، بل كم انه تابع له. من لديه اي شكّ في ذلك يستطيع العودة الى التصريح الذي ادلى به قبل ايّام قليلة احد كبار القادة العسكريين الايرانيين الجنرال حسن فيروز ابادي. قال ابادي، رئيس اركان القوات المسلحة الايرانية، ان الحرب الدائرة في سوريا هي حرب بلاده، اي حرب ايران. الامر كذلك، نظرا الى ان استعادة الشعب السوري حريته وكرامته تعني اوّل ما تعني الخروج من تحت النير الايراني من جهة وعودة سوريا الى الحضن العربي من جهة اخرى.
لا مجال هذه المرّة لنفي التصريح الصادر عن رئيس اركان القوات المسلحة الايرانية نظرا الى ان وكالة ايرنا الرسمية تولّت توزيعه. الاكيد هذه المرّة ان النائب المسيحي ميشال عون، وهو قائد سابق للجيش اللبناني، لن يحتاج الى محققين دوليين للتأكد من ان ايران متورطة مباشرة في الحرب التي يشنها النظام السوري على شعبه او من وجود خبراء عسكريين ايرانيين في لبنان مهمّته الاساسية دعم النظام السوري انطلاقا من الاراضي اللبنانية.
في كلّ الاحوال، قد لا تكون حاجة الى وجود عسكري ايراني في لبنان او حتى في سوريا نفسها، ما دام حزب الله، وهو بمثابة لواء في الحرس الثوري الايراني، يتولى المهمّة الموكولة اليه والتي تعتبر ايران نفسها معنية بها على نحو مباشر.
كيف صار النظام السوري تابعا للنظام الايراني؟ هل يمكن الحديث عن وجود علاقة من هذا النوع، علاقة مرؤوس برئيس، تربط دمشق بطهران منذ كان الرئيس الراحل حافظ الاسد في السلطة، اي حتى العام 2000؟
لا مفرّ من الاعتراف بانّ طبيعة العلاقة بين دمشق وطهران تبدّلت الى حدّ ما بعدما خلف بشّار الاسد والده. وهذا عائد الى حد كبير الى ان الرئيس السوري الحالي لا يمتلك خبرة طويلة، او حتى قصيرة، في ادارة لعبة التوازنات الاقليمية من جهة والى اعجابه الشديد بـحزب الله من جهة اخرى. وقد جعله ذلك غير مدرك لوجود خطوط حمر، متفق عليها سرّا وعلنا، عرف والده دائما كيف يحترمها، خصوصا في جنوب لبنان. في هذه المنطقة لا مانع لدى اسرائيل في ان لا تكون هناك سيطرة للجيش اللبناني، اي للدولة اللبنانية...شرط ان تدور الاشتباكات ضمن اطار معيّن يصبّ في خدمة اهدافها الاستراتيجية. على رأس هذه الاهداف الظهور في مظهر الدولة المهدّدة من جانب مسلّحين غير منضبطين لديهم قواعد في جنوب لبنان. لا فارق اذا كان هؤلاء فلسطينيون او لبنانيون ينتمون الى تنظيم ايراني مثل حزب الله او غيره. وقد بقي هذا المنطق الاسرائيلي، المتفق عليه مع سوريا، سائدا حتى حرب صيف العام 2006 وصدور قرار مجلس الامن الرقم 1701 الذي غيّر طبيعة الوضع في جنوب لبنان وقوانين الاشتباك في تلك المنطقة.
اذا كان لا بدّ من الحديث عن تطوّر في غاية الاهمية على الصعيد الاقليمي، فانّ هذا التطور، الذي يمكن وصفه بالمنعطف، يتمثّل في اضطرار الجيش السوري على الانسحاب من الاراضي اللبنانية في نيسان- ابريل من العام 2005 نتيجة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. كان نزول اهل السنّة اللبنانيين الى الشارع مع اكثرية مسيحية ودرزية وقسم لا بأس به من الشيعة الذين يمتلكون حسّا وطنيا حقيقيا، وراء القرار السوري بالانسحاب العسكري والامني من لبنان. بعد هذا الحدث التاريخي، لم يعد من رهان لدمشق سوى على حزب الله، اي على ايران، لسدّ الفراغ الناجم عن خروجها بالطريقة التي خرجت بها من لبنان، وهي طريقة لم يكن يتمنّاها اي لبناني...
بعد نيسان 2005، اختل التوازن في العلاقة بين دمشق وطهران بشكل نهائي. يؤكد ذلك فشل كلّ المحاولات العربية لاستعادة سوريا وجعل النظام فيها يبقي على مسافة معيّنة بينه وبين حكّام طهران.
لا مجال لتعداد الدول العربية الخليجية التي سعت الى اعادة تأهيل النظام السوري بطريقة او بأخرى. ولكن كلّ ما يمكن قوله ان كل تلك المساعي انتهت بفشل ذريع نظرا الى انّ سوريا تحوّلت شيئا فشيئا الى مستعمرة ايرانية، وذلك مع خلافة بشّار الاسد لوالده.
ما نسمعه اليوم عن هذا المسؤول الايراني او ذاك عن ان الحرب التي يشنّها النظام السوري على شعبه هي حرب ايران ايضا، تتويج لواقع لا مجال للهرب منه. انه واقع لم يدركه بعض العرب الاّ متأخرين للاسف الشديد. لم يعد السؤال العربي هل يمكن استعادة سوريا بمقدار ما انه كيف استعادتها واعادتها الى شعبها بعدما تبيّن ان الحلف القائم بين دمشق وطهران يشكّل خطرا على المجتمعات العربية وعلى الامن العربي ككلّ من منطلق ان في اساسه رغبة اكيدة في لعب ورقة اثارة الغرائز المذهبية وتوظيفها سياسيا الى ابعد حدود...
يستحيل استعادة سوريا ما دام النظام الحالي قائما، ذلك ان ما نشهده ليس حرب ايران على الشعب السوري فحسب، بل هو حرب ايران على كلّ ما هو عربي في المنطقة ايضا!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00