8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ساعة الحقيقة تقترب في الأردن

مرّة اخرى يسعى الملك عبدالله الثاني الى وضع المجتمع الدولي امام مسؤولياته في ما يخص وضع اللاجئين السوريين في بلاده التي تعاني مشاكل اقتصادية كبيرة. يتحدّث العاهل الاردني بلغة الارقام، وهي مخيفة بالفعل، خصوصا ان في الاردن اصلا، اي قبل اندلاع الثورة في سوريا، نحو خمسمئة وخمسين الف سوري ممن تربطهم صلات نسب بعائلات اردنية. اما الآن، فان معظم الذين يأتون يحتاجون الى مأوى(...) لقد تلقى ثلاثون الف سوري العلاج في الاردن وتم توفير لقاحات لنحو خمسة وعشرين الف طفل، والتحق بالمدارس الاردنية ما يقارب سبعة عشر الف تلميذ سوري. من الاكيد ان كلفة كلّ ذلك مرتفعة جدا ولا نستطيع تأمينها وحدنا.
كلام عبدالله الثاني لا يقتصر على الشكوى. انه يطرح في مقابلة اجرتها معه قبل ايّام وكالة الانباء الفرنسية رؤية لكيفية اخراج سوريا من ازمتها من منطلق ان اولويتنا تبقى في العمل على التوصل الى حل قائم على انتقال سياسي سلمي ضمن اطار القانون الدولي. ويشكل ذلك في نهاية المطاف خير ضمانة، وهو بمثابة افضل من منطقة عازلة.
تبدو الشكوى الاردنية من العبء السوري محقّة، خصوصا اذا اخذنا في الاعتبار الامكانات المحدودة للمملكة. ولذلك، ثمة حاجة الى مساعدات عربية ودولية حقيقية تساهم في تحمل اعباء اللاجئين السوريين من دون تجاهل الحاجة الى مخرج من الوضع الراهن، مخرج يلبي طموحات الشعب السوري التي تختصرها كلمتا الحرية والكرامة...
ما تحتاجه سوريا ليس الى منطقة عازلة قد تفرض نفسها في مرحلة معينة، انها تحتاج الى انتقال سياسي سلمي للسلطة. عبدالله الثاني رجل واضح. بالنسبة اليه ان المسألة لا تتعلّق بفرد بل بنظام. فماذا سيستفيد الشعب السوري اذا غادر الرئيس بشّار (الاسد) غدا وبقي النظام؟. المسألة ليست مسألة فرد بمقدار ما انها مرتبطة بنظام، عفا عنه الزمن، غير قابل للاصلاح بايّ شكل.
من يقرأ بين السطور في حديث الملك، يكتشف انه قلق على لبنان ايضا. صحيح انه لم يأت على ذكر الوطن الصغير بالاسم، لكنّ الصحيح ايضا انه قال جملة فيها الكثير من المعاني هي الآتية: انا قلق جدا من احتمال تفكك سوريا، فقد شهدنا في الشهور القليلة الماضية زيادة في وتيرة العنف الطائفي وهو امر لا يهدد وحدة سوريا فحسب، بل قد يكون ايضا مقدمة لامتداد الصراع الى الدول المجاورة ذات التركيبة الطائفية المشابهة. وقد شهدنا بالفعل اشارات الى ان هذا الخطر يقترب اكثر فاكثر. ما العمل اذاً؟ الجواب انه يجب ان نجد صيغة لعملية انتقال سياسية من شأنها ان تجعل جميع مكونات المجتمع السوري، بما في ذلك المكوّن العلوي، تشعر بانّ لها نصيباً ودوراً في مستقبل البلد.
يعرف عبدالله الثاني جيّدا ما يدور في سوريا. انه يتعاطى مع الواقع. وهذا ما يميّزه عن شخص مثل بشّار الاسد يرفض الاعتراف بانّه يعيش في عالم خاص به لا علاقة له من قريب او بعيد بسوريا او بتطلعات الشعب السوري البطل. ولانّه يتعاطى مع الواقع، يسعى العاهل الاردني الى ان يكون اقرب الاردنيين الى الاردن. انه يحاول تعريف الاردنيين الى واقعهم بحسناته وسيئاته. لذلك يتحدث بصراحة ليس بعدها صراحة عن ازمة الطاقة التي جاءت في وقت ارتفعت فيه اسعار المحروقات والغذاء بشكل غير مسبوق، موضحا انه لا يمكن حصول ما هو اسوأ من ذلك لبلد يستورد 96 في المئة من حاجات الطاقة و87 في المئة من غذائه.
هناك ازمة الطاقة وازمة الغذاء والأزمة الناجمة عن انقطاع الغاز المصري والتي كلّفت الاردن الكثير حتى الآن. ولذلك هناك سعي الى ايجاد مصادر بديلة للطاقة. لا يخفي العاهل الاردني ان اسرائيل تخوض حربا حقيقية مع الاردن لمنعه من الحصول على الطاقة النووية في اطار برنامج سلمي. يحصل ذلك على الرغم من أن الاردن تمتلك مورداً طبيعيا (اليورانيوم) يجعل من خيار الطاقة النووية قابلا للتطبيق وذا جدوى وسيمنحنا درجة من الاعتماد على الذات.
الاردن الى اين؟ الواقع ان لدى عبدالله الثاني ثقة في الاردنيين. مرة اخرى يتحدث بلغة الارقام مشيرا الى اننا قادة المنطقة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والصناعة الدوائية والتعليم والصحة. نحن ننتج وندير نسبة 75 في المئة من محتوى الانترنت باللغة العربية اقليميا. وقد تحقق ذلك، على الرغم من اننا لا نشكل الا اثنين في المئة من عدد سكان المنطقة.
تخوض الاردن معارك على جبهات عدة، بما في ذلك الجبهة الاسرائيلية. ذلك لا يمنع عبدالله الثاني من تأكيد ان الانتخابات ستجري قبل نهاية السنة تتويجا للربيع الاردني وذلك على الرغم من الحملة التي يشنهّا الاخوان المسلمون على البلد، وهي حملة تلتقي بطريقة اخرى مع الحرب الاسرائيلية على المملكة. في هذا المجال، لا يختبئ عبدالله الثاني وراء العبارات المنمقة التي لا تقدّم ولا تؤخر، بل تساهم في ضياع الاردنيين. رسالة العاهل الاردني الذي امضى ثلاثة عشر عاما في الحكم واضحة وهي الاتية:هناك خيار امامكم. امّا ان تبقوا في الشارع او تساهموا في بناء اردن ديموقراطي جديد.
من الواضح ان الكرة في ملعب الاردنيين. هل يريدون المساعدة في التغلب على الصعاب التي تواجه بلدهم ام يريدون ان يكونوا ضحية الشعارات الطنانة التي تأخذهم مباشرة الى الهاوية؟ الى الآن، ثمة امل كبير في ان يكون الاردنيون اختاروا طريق العقل والمنطق. الدليل على ذلك الاقبال الكبير على التسجيل في لوائح الانتخابات. لحظة الحقيقة تقترب. الارجح ان الغوغاء لن تنتصر على لغة الارقام والواقعية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00