8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مأساة فلسطينيّي سوريا...

في ظلّ المأساة السورية، توجد مأساة اخرى لا يتحدث عنها العالم الا في المناسبات. انّها مأساة فلسطينيي سوريا الذين تحكّم بهم وبمصيرهم نظام سعى في استمرار الى سدّ كل ابواب الحلول السياسية في المنطقة عموما وفي وجه الفلسطينيين على وجه الخصوص.
ان الضرر الذي الحقه هذا النظام بالشعب الفلسطيني وقضيته كبير جدا بدليل الحال المزرية التي وصلت اليها القضية الفلسطينية، في سياق مسلسل ليس ما يشير الى انه مرشح للانتهاء قريبا.
يتحمّل النظام السوري قسما لا بأس به من المسؤولية عن بلوغ القضية الفلسطينية الحال البائسة التي بلغتها. هذا النظام ليس قادرا لا على الحرب ولا على السلام، بل يعتاش من حال اللاحرب واللاسلم القائمة التي تخدم في نهاية المطاف الاحتلال الاسرائيلي. فالاحتلال الاسرائيلي يراهن دائما على الوقت بغية فرض امر واقع جديد على الارض، كذلك النظام السوري الذي كان يعتقد ولا يزال يعتقد ان في استطاعته ادامة الانسداد السياسي الى ما لا نهاية بما يشكّل نقطة تلاق بينه وبين اسرائيل. من يحتاج الى دليل على ذلك، يمكنه التساؤل، ببراءة طبعا، لماذا لا يزال الجولان السوري محتلا منذ العام 1967 عندما كان حافظ الاسد وزيرا للدفاع في سوريا؟
اراد النظام السوري في كلّ وقت من الاوقات استخدام الفلسطينيين لمآربه الخاصة. اهمّ ما في الموضوع كلّه انه كان يزايد دائما عليهم تحت شعار ان القرار الفلسطيني المستقل بدعة. انّه الشعار الذي اطلقه مؤسس النظام الرئيس الراحل حافظ الاسد وسار عليه نجله الرئيس بشّار الاسد على الرغم من ان اتفاق اوسلو، الذي وقّع في العام 1993 ، غيّر قوانين اللعبة على نحو كامل.
من الصعب فهم الطبيعة الحقيقية للنظام السوري القائم من دون التطرق الى علاقته التاريخية بالفلسطينيين الذين يؤتى بالكاد اي ذكر لهم في سوريا ما بعد اندلاع الثورة، على الرغم من ان عددهم يتجاوز نصف مليون نسمة. لا بدّ من سقوط عدد لا بأس به من القتلى الفلسطينيين على يد قوات النظام حتى يرد ذكر في وسائل الاعلام لابناء شعب لم يكن يوما سوى مادة يتاجر بها نظام قمعي خنق بلدا بكامله بحجة انه يدافع عن القضية الفلسطينية.
منذ ما قبل وصول حزب البعث الى السلطة في سوريا، كان الهرب الى القضية الفلسطينية تعبيرا عن الأزمة العميقة التي يعاني منها هذا البلد، وهي ازمة نظام وكيان في الوقت ذاته. اخذت سوريا العرب الى حرب خاسرة في العام 1948 بعدما لعبت دورا اساسيا في رفض قرار التقسيم الصادر في خريف العام 1947. ولدى التوصل الى اتفاق لوقف النار، هو اتفاق الهدنة، بقي جيشها الذي ارتدّ لاحقا في اتجاه الداخل، في جزء من الاراضي الفلسطينية اسمها الحمّة. لم يتوقف التدخل السوري السلبي في الشأن الفلسطيني يوما. لكنّ هذا التدخل بلغ ذروته مع وصول حافظ الاسد الى السلطة في العام 1970 وتحكمه بكلّ مفاصلها، بعدما كان مجرّد شريك فيها بين 1966 و1970.
منذ 1970، تطورت عملية المتاجرة بالقضية الفلسطينية والفلسطينيين، خصوصا ان الاسد الاب كان يؤمن بانّ عليه ان يكون المسؤول الاوّل والاخير عن الجبهة الممتدة من العقبة في الاردن الى الناقورة في جنوب لبنان. استخدم الفلسطينيين في لعبة هدفها ابتزاز الاردن على الدوام. كانت هناك باستمرار عناصر فلسطينية تتخذ من سوريا مقرّا لها لا مهمّة لها سوى توجيه التهديدات الى الاردن وخلق للقلاقل فيه، كلّما دعت حاجة النظام السوري الى ذلك.
كانت الدولة الاردنية قادرة في معظم الاحيان على ردع النظام السوري، لكنّ لبنان تحوّل الى الضحية الاولى لعملية استخدام النظام السوري للورقة الفلسطينية. فبفضل الورقة الفلسطينية التي استخدمت اولا ضد مسيحيي لبنان، استطاع النظام السوري اشعال حرب اهلية في الوطن الصغير. وبفضل الورقة الفلسطينية والاخطاء الرهيبة التي ارتكبها ياسر عرفات، الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني، في تلك المرحلة، اي في العامين 1975 و1976، استطاع حافظ الاسد ادخال جيشه الى البلد الجار والسيطرة عليه بعد حصوله على ضوء اخضر اميركي- اسرائيلي بحجة انه سيضع يده على قوات منظمة التحرير الفلسطينية في كلّ الاراضي اللبنانية. بلغت الوقاحة بالنظام السوري ان اتى بالوية منجيش التحرير الفلسطيني الى بيروت لتفصل بين المسيحيين والمسلمين في قلب العاصمة اللبنانية!
كانت العلاقة بين النظام السوري والفلسطينيين علاقة مدّ وجزر باستمرار. والحديث هنا عن الفلسطينيين الحقيقيين وليس اولئك الذين يعملون لدى الاجهزة السورية. كانت هناك حاجة دائمة للسيطرة على الفلسطينيين لدى النظام السوري.
ما ذنب الفلسطيني الموجود في سوريا اليوم كي تشمله الحرب التي يشنها النظام على شعبه؟ يبدو ان السبب الذي يدفع الى قتل فلسطينيين بين حين وآخر هو رفضهم الانضمام الى شبيحة النظام. يبدو ان ذلك يعتبر سببا كافيا كي يشمل القمع فلسطينيي سوريا الذين سئموا من المتاجرة بهم. فالفلسطيني بالنسبة الى النظام السوري سلعة لا اكثر ولا اقلّ. انه لا يستأهل غير القتل عندما يقرّر ان يكون على الحياد في حرب يمكن ان تنتهي بتهجير جديد له!
هل من مأساة اكبر من هذه المأساة في ظل المأساة السورية؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00