8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

للمرة الأولى في تاريخ لبنان...

لا يمكن أن تنطلي عملية إطلاق المخطوفين السوريين والمخطوف التركي في لبنان على أحد، بل على أيّ أحد. فجأة أطلق المخطوفون بعد تحقق الهدف المطلوب. الهدف المطلوب عزل لبنان عن محيطه العربي وإلحاقه بالمحور الإيراني - السوري المقبل على الانهيار، أقلّه في شقّه السوري. ومثل هذا الهدف لا يمكن أن يتحقق إلاّ عن طريق أفقار لبنان واللبنانيين بكل الوسائل المتاحة. على رأس هذه الوسائل منع العرب من المجيء الى لبنان والاستثمار فيه من جهة وضرب كلّ المؤسسات اللبنانية والقطاع الاقتصادي، بما في ذلك القطاع المصرفي من جهة أخرى.
ما نشهده اليوم في لبنان، هو حالة فريدة من نوعها في تاريخ الوطن الصغير. للمرة الأولى منذ قيام الدولة اللبنانية وتشكيل الكيان اللبناني وربّما قبل ذلك، عندما كانت الدولة العثمانية لا تزال قائمة، هناك قرار بمنع العرب من المجيء الى لبنان. يحصل ذلك في ظلّ حكومة شكّلها حزب الله ووضع على رأسها شخصية سنّية من طرابلس هي الرئيس نجيب ميقاتي الذي يغطي حالياً عملية ايجاد هوة عميقة بين لبنان والعرب بدل أن يتخذ بالفم الملآن موقفاً وطنياً صريحاً يسمّي الأشياء بأسمائها. تصبّ هذه الهوة في محاولة إفقار الوطن الصغير وتيئيس اللبنانيين وتهجير من بقي منهم متمسّكاً بأرضه، وذلك في غياب القدرة على السيطرة عليهم وتدجينهم على غرار تدجين حزب الله لبعض أبناء الطائفة الشيعية الكريمة.
صار كلّ عربي يخشى على حياته وحريته في لبنان. اليوم هناك الجناح العسكري لآل المقداد الذي على استعداد لخطف أي سعودي أو قطري أو خليجي أو تركي يدوس الأراضي اللبنانية. غداً، بعد استنفاد الغرض من الإعلان عن هذا الجناح، الذي لا علاقة له من قريب أو بعيد بعائلة كريمة معروفة ومحترمة تستنكر الأكثرية الساحقة من أبنائها أي تجاوز للقانون، سيظهر جناح آخر من عائلة أخرى. سيستخدم هذا الجناح في عملية جديدة لا هدف منها سوى نشر البؤس والفوضى في لبنان واستخدام الوطن الصغير ساحة. إنه لا يزال ساحة بالنسبة الى المحور الايراني - السوري الذي يعتقد أن في الإمكان انقاذ النظام في دمشق عن طريق تصدير أزماته الى الخارج.
اللعبة مكشوفة. الجديد فيها أن ممارسات النظام السوري لم تعد تجد من يغطيها بما فيه الكفاية كما كانت الحال في الماضي. لم يعد ميشال سماحة يسمح لنفسه بإعطاء شهادات في الوطنية لأحد. انكشف الدور الذي يؤديه أحد رجال النظام السوري في لبنان. وهو دور مصنوع خصيصاً على قياس بعض السياسيين اللبنانيين الذين يمكن أن يكون اسمهم أي اسم آخر...
حتى حكومة حزب الله لم تعد قادرة على تغطية ممارسات النظام السوري. عليها الاكتفاء بالاعتراف بأنها عاجزة عن إعادة لبنان الى العرب والعرب الى لبنان. تستطيع هذه الحكومة اختلاق تمثيلية تنتهي بتحرير المخطوفين السوريين، وهم عمال مساكين جاؤوا وراء لقمة العيش، والمواطن التركي الذي جاء الى لبنان ضيفاً على عائلة شيعية محترمة.
ولكن ما لا تستطيعه هذه الحكومة، التي شكّلت أصلاً من أجل اذلال أهل السنّة والمسيحيين، هو إعادة اللحمة بين لبنان والعرب. هذه هي المشكلة التي ستواجه لبنان في السنوات القليلة المقبلة، ما دام السلاح الذي يمتلكه حزب الله بإمرة النظام الإيراني. هل نسينا ما يكرره السيد حسن نصرالله الأمين العام لـحزب الله عن مفهومه لولاية الفقيه؟ هل يمكن تجاهل ما يصدر عن أداة الأدوات، اي النائب المسيحي ميشال عون؟
رأى الأستاذ عون أخيراً أن هناك ما يبرر استخدام سلاح حزب الله دفاعاً عن ايران ولو كان ذلك على حساب لبنان واللبنانيين؟ نعم، هناك لبناني، كان في الماضي قائداً للجيش، لا يخجل من التضحية بوطنه من أجل نظام إيراني يعتبر أن المتاجرة بالآخرين شطارة وموهبة ودهاء؟
لن تعود اللحمة بين لبنان والعرب ما دام النظام الإيراني مضطراً لعرض عضلاته في لبنان بغية إفهام كلّ من يعنيه الأمر، بما في ذلك الشيطان الأكبر الأميركي والشيطان الأصغر الإسرائيلي أن عودة سوريا الى الأحضان العربية بعد سقوط النظام الحالي لا يعني أن لبنان سيخرج عن السيطرة الإيرانية. ستظل بيروت مدينة إيرانية على المتوسط وستستمر المتاجرة بالجنوب وأهل الجنوب الى ما لا نهاية... أي الى حين عقد صفقة ما بين واشنطن وطهران.
من هذا المنطلق، والى أن يسقط النظام السوري بالضربة القاضية، وهو سقط عملياً بعد خسارته الحرب التي يشنها على شعبه، سيظل لبنان ساحة. سنشهد فصولاً أخرى من مسرحية يظهر فيها أبو الميش (سماحة أو عون، لا فارق) أحياناً أو شخص مثل اللواء جميل السيّد الذي يحاول تقليد ضباط المكتب الثاني في عهد الرئيس الراحل فؤاد شهاب في أحيان أخرى.
كلّ هذه المشاهد ليست مهمة على الرغم من أنّها غير مملة، بما في ذلك مشهد تحرير العمّال السوريين المغلوب على أمرهم والمواطن التركي الذي ظنّ أنه يزور بلداً آمناً. المهمّ أن مشاكل لبنان ستستمرّ الى حين ما دام هناك سلاح إيراني في البلد وما دامت هناك حكومة وجدت لتغطية هذا السلاح. هذا كلّ ما في الأمر.
يبقى أن ما ينساه الذين يغطون السلاح الإيراني، أن لبنان انتصر على النظام السوري وأن شعبه أخرج القوات السورية من الأراضي اللبنانية. من كان يصدّق حتى الأمس القريب أن شخصا مثل رئيس الجمهورية الحالي سيتجرّأ على قول ما يقوله بعد انكشاف ميشال سماحة؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00