طرح الرئيس محمد مرسي في الخطاب الذي القاه في افتتاح قمة دول عدم الانحياز في طهران قضايا كثيرة. كان من بين هذه القضايا الاستعداد المصري لدعم الشعب الفلسطيني. كان الخطاب استثنائيا وواقعيا في آن. وقد عكس رغبة واضحة في دعم القضية الفلسطينية بعيدا من المزايدات والكلام الفارغ الذي لا يستهدف الاّ المتاجرة بالفلسطينيين وقضيتهم المحقة.
نعم، في استطاعة مصر مساعدة الفلسطينيين. ولكن على الفلسطينيين ان يساعدوا انفسهم اوّلا والتوقف عن طرح الشعارات المستحيلة التي تكفلت بنقلهم الى عالم الاوهام، أو على الاصحّ، من كارثة الى اخرى. هذا لا يعني في اي شكل ان الدور المصري ليس مهمّا ولكن هل في استطاعة القاهرة اعادة حماس الى جادة الصواب بدل جعلها تذهب في اتجاه مزيد من المغامرات التي تؤذي القضية الفلسطينية، أو ما بقي منها؟
لا شكّ ان قطاع غزة يمرّ بمرحلة صعبة نتيجة الحصار الاسرائيلي. ولا شكّ ايضا ان الضفة الغربية تعاني كثيرا في ظل تدهور الوضع الاقتصادي من جهة واصرار حكومة بنيامين نتانياهو على سدّ كلّ الطرق التي يمكن ان تؤدي الى تسوية معقولة ومقبولة على اساس حلّ الدولتين.
الامر الوحيد الاكيد ان قدرة مصر على التأثير في الضفة الغربية محدودة. وذلك ليس عائدا الى العامل الجغرافي فحسب، بل ايضا الى ان اكثر ما تحتاجه الضفة من اجل الصمود هو المساعدات المالية التي تجعل اهلها، بمن في ذلك اهل القدس، اكثر تمسّكا بأرضهم. فالهدف الاسرائيلي كان يتمثل دائما وابدا في جعل الضفة الغربية والقدس، التي هي جزء لا يتجزّأ منها، ارضا طاردة لاهلها. كل ما تريده اسرائيل هو جعل الفلسطينيين يتركون ارضهم. المؤسف ان العرب لعبوا منذ العام 1948 دورا كبيرا في مساعدة الاحتلال في تحقيق مبتغاه حتى في الاراضي التي تقع داخل ما يسمّى الخط الاخضر.
الى الآن، نجحت حكومة الدكتور سلام فيّاض في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي. لكنّ الوقت حان، بعد انسداد كلّ آفاق التسوية لدعم عربي لهذه الحكومة كي تتمكن من الاستمرار في المقاومة الحقيقية للاحتلال التي اثمرت حركة عمرانية واقتصادية ونسبة نمو لا بأس بها في السنوات القليلة الماضية.
يفترض بالعرب مساعدة الضفة واهلها كي تبقى حكومة سلام فيّاض صامدة تقاوم الاحتلال ومخططاته التي تستهدف الاستيلاء على جزء من الارض وتطويق القدس من كل الجهات ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلّة قابلة للحياة. يستطيع العرب ذلك، خصوصا ان الحكومة الفلسطينية ممثلة برئيسها، المرشح لتقديم استقالته، اثبتت انها تمتلك مقدارا كبيرا من الشفافية وان لا غبار على تصرفات معظم اعضائها.
اما غزة، فهي للاسف الشديد غارقة في ثقافة الموت والشعارات المستحيلة التحقيق التي لا هدف منها سوى تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني. بالنسبة الى حماس، تبقى الاولوية لتغيير طبيعة المجتمع وليس للتخلص من الاحتلال. ولذلك، تحوّلت غزة الى امارة اسلامية على الطريقة الطالبانية (نسبة الى طالبان) خلال سنوات قليلة.
تترافق التحولات التي شهدتها ولا تزال تشهدها غزة مع عجز عن فهم لماذا انسحبت اسرائيل من القطاع قبل سبع سنوات ولماذا كان انسحابها من كل شبر منه وتسليم المستوطنات الى الغزاويين مع انظمة الري المتطورة التي كانت مجهزة بها. الم يكن ذلك من اجل وقوع الفلسطينيين في فخ الاعتقاد ان في استطاعتهم تحرير فلسطين، كل فلسطين، بواسطة الصواريخ المضحكة- المبكية التي كانت تطلق بين حين وآخر في اتجاه قرى وبلدات اسرائيلية؟
من واجب مصر وضع حدّ للمهزلة التي مسرحها غزة والتي كانت لها ارتدادات على الامن الوطني لمصر نفسها. تبيّن مع مرور الوقت ان فوضى السلاح في غزة فتحت الابواب على مصراعيها امام نمو خلايا ارهابية مدعومة من جهات خارجية لا همّ لها سوى تعطيل القرار الفلسطيني المستقل واعتماد سياسة المزايدات بديلا من سياسة العقل والمنطق.
بعد كلّ الذي حدث أخيراً في غزة وسيناء، خصوصا بعد الاعتداء الذي تعرّض له جنود مصريون، تقف القاهرة امام خيارين لا ثالث لهما. إمّا أن تضع حماس امام مسؤولياتها وتسألها لماذا سمحت ولا تزال تسمح بنمو ظاهرة التنظيمات المسلّحة المدعومة من قوى اقليمية عربية وغير عربية... وإمّا أن تؤيد مشروعها المتمثّل في اقامة كيان مستقلّ في القطاع بحجة وجود وحدة حال بين الاخوان المسلمين.
في النهاية، هل ينتصر منطق الدولة في مصر على منطق الاخوان؟ هذا هو السؤال الكبير الذي سيبقى سؤالا في غياب تحرّك محدّد وواضح تؤكد مصر من خلاله ان لا مصلحة لها في رفع شعارات طنانة، من نوع ان فلسطين وقف اسلامي، بمقدار ما ان المطلوب احترام الاتفاقات الدولية الموقعة من جهة والانصراف الى معالجة مشاكلها الداخلية الضخمة من جهة اخرى.
مثلما ان من واجب العرب القادرين مساعدة الضفة الغربية، من واجب مصر اتخاذ موقف حازم وحاسم مما يدور في غزة. يكون ذلك بقطع الطريق على استمرار فوضى السلاح التي لا تخدم الاّ المستفيدين من استمرار الحصار الاسرائيلي والساعين الى تصدير هذه الفوضى الى سيناء. اكثر من ذلك، لا مفرّ من افهام حماس ان الوضع القائم حاليا في غزة يشكّل اكبر ضربة للوحدة الوطنية الفلسطينية ويكرس قيام كيانين فلسطينيين بديلا من الدولة المستقلة التي قد تضع فلسطين على خريطة الشرق الاوسط يوما.
مرّة اخرى، كلّ شيء سيعتمد على المنطق الذي سينتصر في مصر. منطق الدولة... أم منطق الاخوان؟
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.