تواجه المملكة الأردنية الهاشمية هذه الأيّام مجموعة من التحديات التي يمكن وصفها بأنها فريدة من نوعها في التاريخ القصير للبلد. تعود هذه الفرادة الى طبيعة هذه التحديات الناجمة عن عوامل داخلية وخارجية في الوقت ذاته.
للمرّة الأولى في تاريخ الأردن هناك ما يمكن وصفه بتعقيدات لم يتعوّد عليها البلد المصرّ على إثبات أنه ليس الوطن البديل للفلسطينيين وأنه جزء لا يتجزّا من الاستقرار الإقليمي، وذلك على عكس ما يدّعيه كثيرون يعتقدون أن من السهل تجاوز الأردن أو تصدير أزمات الآخرين اليها.
يقود الملك عبدالله الثاني المركب الأردني وسط العواصف. هناك عاصفة مصدرها سوريا حيث ثورة شعبية حقيقية ونظام يرفض الاعتراف بأنّ عليه الرحيل اليوم قبل غد في حال كان مطلوباً خروج البلد من أزمته والإعداد لمرحلة انتقالية تهيئ لنظام جديد يضمن حداً أدنى من الحقوق والعيش الكريم للسوريين.
في كلّ يوم يمرّ يزداد عدد اللاجئين السوريين في الأراضي الأردنية. هؤلاء في حاجة الى كلّ شيء، بما في ذلك المياه. والمياه نادرة في الأردن التي تجد نفسها مضطرة الى اقتطاع كمية منها يحتاج اليها الأردنيون.
عدد اللاجئين السوريين في الأردن مخيف وفي زيادة مستمرّة وسيصل قريباً الى أكثر من مئتي ألف يُفترض بالأردن إطعامهم وإيواؤهم وتقديم خدمات كثيرة من بينها الطبابة والتعليم والمأوى.
بكلام أوضح هناك حاجة الى مئات ملايين الدولارات للقيام بذلك. هل من يريد مساعدة الأردن حقاً في هذه المهمة التي تعجز عنها الدول الغنية؟
فضلاً عن ذلك، على السلطات الأردنية أن تكون متيقظة على مدار الساعة، نظراً الى أن السوريين، بالتنسيق مع الإيرانيين طبعاً، يمكن أن يرسلوا عناصر مندسة مع اللاجئين السوريين تهدد الأمن الوطني. فما لا يمكن أن يغيب عن بال أحد أن النظام السوري، المدعوم من إيران، لم يتغيّر ولن يتغيّر. لا يزال يعتقد أن في استطاعته تجاوز أزمته الداخلية عن طريق تصديرها الى الخارج، الى الأردن ولبنان تحديداً.
اللاجئون السوريون عبء ضخم على كاهل الأردن التي تقف سدّاً في وجه تصدير الأزمة السورية الى منطقة الخليج. هل هناك وعي لذلك في المنطقة العربية؟ هل هناك وعي لضرورة دعم الأردن القادرة على تجاوز تحديات المرحلة متى توافر الدعم الكافي؟
ما لا بدّ من الاعتراف به، أن المشكلة الأساسية في الأردن هي الاقتصاد. الملك عبدالله الثاني نفسه يدرك ذلك، وهو يدرك أيضاً أن السير الى النهاية في الإصلاحات المقررة وصولاً الى الانتخابات النيابية قبل نهاية السنة مرتبط الى حدّ كبير بتحسّن الوضع الاقتصادي.
من هذا المنطلق، تحرّك العاهل الأردني قبل أيام على وجه السرعة وجمّد الزيادة التي أقرتها الحكومة على أسعار المحروقات. لا شكّ أن الحكومة التي يرأسها الدكتور فايز الطراونة اتخذت قراراً غير شعبي. فالطراونة رجل دولة من الطراز الأوّل على استعداد لاتخاذ قرارات صعبة لا يتجرّأ عليها سوى قليلين تصب في نهاية المطاف في خدمة مؤسسات الدولة. لكنّ الظروف الراهنة في الأردن تفرض التركيز على منع المزايدين من استغلال أي فرصة لزعزعة الجبهة الداخلية.
من الواضح، أن هناك رغبة على أعلى المستويات الأردنية في منع العبء الناجم عن الأزمة السورية، وهي ثورة شعبية بكلّ معنى الكلمة، من تعطّيل الإصلاحات المقررة. تستهدف هذه الإصلاحات وضع الأسس لحياة سياسية تقوم على التنافس بين أحزاب ذات برامج واضحة. هذا، على الأقلّ، ما يطمح إليه العاهل الأردني المصرّ على إجراء الانتخابات النيابية، التي يحاول الإخوان المسلمون تعطيلها، قبل نهاية السنة.
من اللافت أن إجراء الانتخابات النيابية على أساس قانون عادل، غير مفصّل على قياس الإخوان، بات قضية في الأردن. ولذلك، صارت الجهود منصبة على تأمين أكبر نسبة من المشاركين في الانتخابات كي يقول الشعب الأردني كلمته بصراحة وجرأة في آن.
من الآن، بدأت حملة شعبية واسعة تستهدف التسجيل من أجل الانتخابات. اسم اللعبة هي المشاركة في الانتخابات. ومتى وصل عدد المسجلين الى رقم معيّن، تسقط كلّ الحجج التي يأتي بها الإخوان ومن يدعمهم من خارج الأردن من أجل المقاطعة. إنّ بلوغ نسبة المسجلين رقماً معيّناً ستعني أن هناك بداية وعي شعبي أردني للمرحلة الدقيقة التي تمرّ بها المملكة من جهة واستيعاب للمحاولات التي يبذلها الإخوان المسلمون، بصفة كونهم الحزب الوحيد المنظم في البلد، للسيطرة على الشارع من جهة أخرى.
الأكيد أن الوضع الأردني ليس سهلاً، خصوصاً في ظلّ الوضع الإقليمي المتفجّر وما يحدث لدى الجار السوري. ولكن من كان يتصوّر أن المملكة ستتجاوز كل تلك الضغوط الداخلية التي تعرّضت لها في السنتين الماضيتين منذ بداية ما يسمّى الربيع العربي. من كان يتصوّر أنه على الرغم من كل الجهود التي بذلتها هذه الجهة الخارجية أو تلك، وعلى الرغم من كلّ الأموال التي وظّفت من أجل أن يكون هناك حراك شعبي في الأردن ومن أجل استخدام العنف في مواجهة قوات الامن، لم يسقط أي قتيل في الأردن. القتيل الوحيد سقط بسبب أزمة قلبية.
من الباكر الجزم بأنّ الأردن تجاوزت أزمتها، لكنّ ما لا بدّ من التوقف عنده أن هناك مزيداً من المواطنين الذين بدأوا يعون أن عليهم تحمّل مسؤولياتهم وأن الخطوة الأولى في هذا الاتجاه تسجيل أسمائهم من أجل المشاركة في الانتخابات. إنها الخطوة الأولى على طريق تأكيد أن هناك أكثرية مستعدة لخوض معركة المستقبل الأفضل بدل تصديق الشعارات الرنانة والفضفاضة التي تقود الدول الفقيرة التي لا تمتلك موارد طبيعية الى الهاوية...
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.